بيانات صحفية التحقيق المستقل
"حرب الفظائع": استهداف متعمّد للمدنيّين في السودان - تقرير بعثة الأمم المتحدة لتقصي يوثّق جرائمَ حرب على نطاقٍ واسع
05 أيلول/سبتمبر 2025
جنيف – قالت البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان في أحدث تقرير لها الصادر اليوم، أن القوات المتنازعة في السودان تستهدف السكان المدنيّين عمداً في انحاء البلاد المنكوبة، وترتكبُ فظائعَ تتمثل في جرائم حربٍ على نطاقٍ واسعٍ ومنهجي. وقد ترقى بعض الأفعال كذلك إلى مستوى جرائم ضد الإنسانيّة، بما في ذلك الاضطهاد والإبادة.
وخلص التقريرالمقدّم إلى مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، بعنوان حرب الفظائع، إلى أن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع مسؤولتان ليس فقط عن هجمات مباشرة وواسعة النطاق ضد مدنيّين، بل أيضاً عن تدميرٍ واسع للبنى التحتيّة الحيوية الضرورية لبقائهم على قيد الحياة، بما في ذلك مراكز طبيّة و أسواق وأنظمة غذاء ومياه ومخيمات نزوح.
وخلص التقرير أيضاً إلى أن قوات الدعم السريع، خلال حصارها للفاشر والمناطق المحيطة بها، ارتكبت مجموعة واسعة من الجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك القتل، والتعذيب، والاسترقاق، والاغتصاب، والاستعباد والعنف الجنسي، والتهجير القسري، والاضطهاد على أسسٍ عرقيّة وإجتماعية وسياسيّة. وقد استخدمت قوات الدعم السريع وحلفاؤها التجويع كوسيلة من وسائل الحرب، من خلال حرمان السكان المدنيّين من المواد الأساسيّة اللازمة لبقائهم على قيد الحياة، بما في ذلك الغذاء والدواء والمساعدات الإغاثيّة، وهو ما قد يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعيّة والتي تعتبر جريمة ضد الإنسانية.
وقال محمد شاندي عثمان، رئيس بعثة تقصي الحقائق: "إن النتائج التي توصلت إليها تحقيقاتنا لا تترك مجالًا للشك بأن المدنيّين يدفعون الثمن الأكبر في هذه الحرب. إذ يقوم الطرفان باستهداف المدنيّين عمدًا عبر الهجمات، والإعدامات بإجراءات موجزة، والاحتجاز التعسفي، والتعذيب، والمعاملة اللاإنسانية في مرافق الاحتجاز، بنا في ذلك الحرمان من الغذاء وخدمات الصرف الصحي والرعاية الطبيّة. لم تكن هذه المآسي عَرَضيّة، بل هي استراتيجيات متعمّدة ترقى إلى مستوى جرائم حرب. إن قوات الدعم السريع ارتكبت جرائم ضد الإنسانية بما في ذلك القتل والعنف الجنسي والعنف قائم على النوع الاجتماعي، والنهب وتدمير سبل العيش على نطاق واسع – وقد تصل أحيانًا إلى مستوى الاضطهاد والإبادة الجماعية."
يتم استهداف المدنيّين على أساس إنتماؤهم المفترض للطرف الآخر. وقد نفّذت قوات الدعم السريع وحلفاؤها في مدينة الفاشر والمناطق المحيطة بها، عملياتِ قتلٍ على نطاقٍ واسع راح ضحيّتها مئات المدنيّين، حيث وجّهت هجماتٍ ضد مجتمعاتٍ غير عربية عمداً، بما في ذلك الزغاوة، والفور، والمساليت، والتنجر، وقامت بتهجير السكان قسرًا. وفي مخيم زمزم، حصلت مجزرة في نيسان/أبريل، حيث قُتل ما بين ثلاث مئة إلى ألف وخمس مئة مدني – معظمهم من النساء والأطفال. واستهدفت القوات المسلحة السودانيّة وحلفاؤها مجتمع الكنابي في الجزيرة بعد استعادتها السيطرة على المدينة في كانون الثاني/يناير، مما أسفر عن مقتل العشرات وإجبار معظم السكان على الفرار.
وقد فشل الطرفان في اتخاذ تدابير كافية للحدّ من أثر الضربات الجوية والقصف المدفعي على المدنيّين والبنى التحتيّة المدنيّة. ونتيجة لذلك، تمّ تدميرُ مُدنٍ وقرى ومخيمات نزوح ومستشفيات ومنازل، بشكلٍ منهجي أو جعلها غير صالحة للسكن، مما أدى إلى نزوح 12.1 مليون شخص، ومعاناة أكثر من نصف سكان البلاد من انعدام حاد في الأمن الغذائي. وأضحى مرفق صحي واحد فقط من بين كل أربعة ما زال يعمل في المناطق الأكثر تضرّرًا.
كما تم عرقلة المساعدات الإنسانية ومهاجمة القوافل واستهداف عاملي الإغاثة. وقُتل أكثر من 84 من العاملين السودانيين في المجال الإنساني خلال الفترة بين نيسان/أبريل 2023 ونيسان/أبريل 2025 بينما تم اعتقال آخرين تعسفيًا.
وخلص التقرير إلى أن طرفي النزاع قاما باعتقال تعسفيّ لمدنيّين واحتجازهم وتعذيبهم بسبب انتماء الضحايا الإثني أو آرائهم السياسيّة أو عملهم أو لزعم تعاونهم بطرف النزاع الآخر. وغالبًا ما تم احتجاز معتقلون دون الحصول على الغذاء الكافي أو خدمات الصرف الصحي أو الرعاية الطبيّة. ووصف ناجون مراكز احتجاز تابعة لقوات الدعم السريع بأنها "مسالخ" حيث تعرّض المعتقلون في بعض الحالات للضرب حتى الموت والإعدام بإجراءات موجزة. كما أجبِرَ بعضهم على العمل القسري أو تم احتجاز البعض مقابل فدية، وأُجبرت الأسر على دفع فدية لإطلاق سراحهم.
وارتكب مقاتلون في قوات الدعم السريع أعمال عنفٍ جنسي وعنفٍ قائمٍ على النوع الاجتماعي، بما في ذلك الاغتصاب، والاغتصاب الجماعي، والزواج القسري، والاستعباد الجنسي. واستُهدفت نساء وفتيات من مجتمعات غير عربية بشكل خاص، بمن فيهن من لم يتجاوز أعمارهن الـ12 عاماً. كما تورّط أفراد من القوات المسلحة السودانية والقوات المتحالفة معها في أعمال تعذيب ذات طابع جنسي في أماكن الاحتجاز.
وصرَّحت جوي نجوزي إيزيلو، الخبيرة عضو البعثة: "نجد وراء كل حالةٍ مُوثّقة عائلة مُحطّمة، ومجتمع نازح، وإنسان نجى من عنفٍ لا يُمكن تصوّرَهُ. وقد أجرينا مقابلاتٍ مع العديد من المدنيّين الذين عانوا من صدماتٍ نفسيّةٍ شديدةٍ أو شهدوا عمليات قتل وتجويع وعنف جنسي وتعذيب وتدمير للخدمات الأساسيّة. فقد أدّت حلقة الإفلات من العقاب إلى تمكين الجناة لعقود. يستحقّ الضحايا، وخاصة النساء والأطفال الذين يتحملون العبء الأكبر، العدالة والتعويض."
كما حدّد التقرير الخطوات اللازمة في سبيل المساءلة، مشدّدا على أن تحقيق العدالة والحماية يجب أن يتم فورًا من دون انتظار التوصل إلى اتفاق سلام. فالمؤسسات المحليّة في السودان لا تزال غير راغبة أو قادرة على إجراء تحقيقات ذات مصداقية بشكل فعلي. وبدلاً من ذلك، فإنها تديم العدالة الانتقائيّة، وتحمي الجناة من خلال الحصانات والعفو، وتستمر في حرمان الناجين من أي سبل انتصاف حقيقية.
وقالت منى رشماوي، الخبيرة عضو بعثة تقصي الحقائق: "لا يشمل تقريرنا كشف الفظائع فحسب، بل يضع خارطة طريق في سبيل الوصول إلى العدالة. يجب على المجتمع الدولي التحرك الآن لإنفاذ حظر على الأسلحة، ودعم تحقيق العدالة من خلال مساندة المحكمة الجنائية الدولية، وإنشاء آلية قضائية مستقلة للسودان، واستخدام الولاية القضائية العالمية لمساءلة الجناة، وضمان أن يتحمّل المسؤولين عن ارتكاب الفظائع عواقب أفعالِهم، بما في ذلك العقوبات المحددة.
وأضافت رشماوي، "كل يوم تقاعسٍ يعني يومًا إضافيًا من تعرّض الشعب السوداني للهجوم، إذ تتعرض حياتهم ومجتمعاتهم وسُبُلِ بقائِهم للخطر. المساءلة ليست خياراً، بل هي ضرورة قانونيّة وأخلاقيّة لحماية المدنيّين ومنع ارتكاب المزيد من الفظائع."
وقد طلبت بعثة تقصي الحقائق من المجتمع الدولي فرض عقوبات محددة على الأفراد والكيانات المسؤولة عن ارتكاب جرائم دولية.كما حثت على اتخاذ إجراءاتٍ سريعة ومنسقة لوقف أعمال الاقتتال، وحماية المدنيّين، ورفع حالات الحصار، ووقف الاستهداف العرقي والعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي. وحثت جميع الدول، ولا سيما تلك التي لها نفوذ على الأطراف المتناحرة، على الالتزام بحظر الأسلحة والامتناع عن تقديم أي نوع من الدعم، وزيادة المساعدات الإنسانية.
وأشار عثمان إلى أن "السودان يمر بواحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم وأخطر حالات الطوارئ المتعلقة بالجوع، حيث يواجه بعض سكانه جرائم حرب واضطهاد وإبادة. ويمتلك المجتمع الدولي الأدوات اللازمة للتحرّك. وإن أي تقاعسٍ عن ذلك لن يكون خيانة للشعب السوداني فحسب، بل سيكون خيانة لأسس القانون الدولي ذاتها."
معلومات أساسية: أنشأ مجلس حقوق الإنسان إنشاء البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان في تشرين الأول/أكتوبر 2023 عملاً بالقرار A/HRC/RES/54/2 ومدّد ولاية البعثة حتى تشرين الأول/أكتوبر 2025 من خلال القرار A/HRC/RES/57/2. هدفها الجوهري هو "التحقيق في جميع الانتهاكات والتجاوزات المزعومة لحقوق الإنسان وانتهاكات القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك تلك المرتكبة ضد اللاجئين، والجرائم ذات الصلة في سياق النزاع المسلح المستمر الذي بدأ في 15 نيسان/أبريل 2023، بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وغيرهما من أطراف النزاع، وإثبات الوقائع والظروف والأسباب الجذرية لها." وعيّن رئيس مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الخبراء أعضاء بعثة تقصي الحقائق وهم ليسوا موظفين في الأمم المتحدة ولا يتقاضون راتبًا مقابل عملهم. في حين أن مجلسحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة يوفر الدعم لبعثة تقصي الحقائق، إلا ان الخبراء يعملون بصفتهم الشخصية وهم مستقلون عن أي حكومة أو منظمة، بما في ذلك الأمم المتحدة. أي آراء أو وجهات نظر مُقدمة هنا تعبّر حصرًا عن آراء الخبراء الأعضاء المكلفون بالولاية.
للاستفسارات الإعلامية، يُرجى التواصل مع: تود بيتمان، المستشار الإعلامي لهيئات التحقيق التابعة لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة: todd.pitman@un.org / +41766911761; باسكال سيم، المسؤول الإعلامي لمجلس حقوق الإنسان: simp@un.org.
تابعوا صفحات وسائل التواصل الاجتماعي لهيئات التحقيق التابعة لمجلس حقوق الإنسان:
X | Facebook | Instagram | Linkedin | Bluesky
الصفحة متوفرة باللغة: