البيانات والخطابات آليات متعدٓدة
تورك يدعو إلى إعلان عقد دولي ثانٍ للمنحدرين من أصل أفريقي
08 تشرين الثاني/نوفمبر 2024
أدلى/ت به
مفوّض الأمم المتّحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك
في
اجتماع رفيع المستوى لمناسبة اختتام العقد الدولي للمنحدرين من أصل أفريقي - قاعة المجلس الاقتصادي والاجتماعي، مقر الأمم المتحدة، نيويورك
أصحاب السعادة، أيّها الزملاء والأصدقاء الأحباء،
عندما أعلنَت الجمعية العامة للأمم المتحدة، منذ عشر سنوات، العقد الدولي للمنحدرين من أصل أفريقي، التفّ العالم حول هدف واضح، ألا وهو تعزيز إعمال حقوق الإنسان والحريات الأساسية للمنحدرين من أصل أفريقي في كل مكان.
وفي جميع أنحاء العالم، طالب الناس بتفكيك الإرث القبيح والخبيث لقرون من الاستعباد والاستعمار وأنظمة القمع الأخرى، التي أثقلت كاهل المنحدرين من أصل أفريقي لفترات طويلة جدًا من الزمن.
يشكل اجتماع اليوم فرصةً للتفكير في نجاحاتنا وإنجازاتنا، لكن أيضًا في إخفاقاتنا. والأهم من ذلك كله، تحديد ما لا يزال مطلوبًا منا لإحداث تغيير تحويلي في حياة المنحدرين من أصل أفريقي.
مما لا شكّ فيه أنّ العقد الدولي سجّل تقدمًا بارزًا في هذا الصدد.
فقد شجّع الدول والمنظمات الدولية والإقليمية والهيئات الوطنية لحقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية، بما في ذلك المنظمات المعنية بالمنحدرين من أصل أفريقي، على المبادرة إلى العمل.
لا بل عزّز في الواقع الشعور بالتضامن بين الشعوب، وهو أمر بالغ الأهمية في عالم اليوم.
فقد غيّرت أكثر من 30 دولة قوانينها وسياساتها بهدف التصدي للتمييز العنصري ومعالجة المشاكل المحددة التي تواجهه المنحدرين من أصل أفريقي، البعض منها لأول مرة.
كما عدّل البعض الآخر دساتيره بغية الاعتراف رسميًا بالمنحدرين من أصل أفريقي كمجتمع منفصل.
وأنشأت دول أخرى مؤسسات لإدارة الجهود الرامية إلى تعزيز حقوق الإنسان للمنحدرين من أصل أفريقي أو تنسيقها أو المساهمة فيها.
وساهم العقد الدولي في تمكين القادة الشباب المنحدرين من أصل أفريقي في جميع أنحاء العالم، الذين يدافعون عن العدالة العرقية والمساواة وحقوق الإنسان.
كما أنه ولّد دعمًا عالميًا للعدالة والمساواة العرقيتَين، مع تحقيق نتائج بارزة من بينها إنشاء المنتدى الدائم المعني بالمنحدرين من أصل أفريقي في العام 2021.
كما شكّل فرصة للاحتفال بالتراث المميّز والثقافة المذهلة للمنحدرين من أصل أفريقي.
من المستحيل بكلّ بساطة أن نتخيل عالمنا من دون مساهماتهم الهائلة والرائدة، إن في العلوم أم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية أم في الأدب أم السينما أم الفلسفة، وغيرها من المجالات المتعدّدة الأخرى.
ولا يمكن التعرّف على النظرية السياسية وعلم الاجتماع والفن والموسيقى، وهي أجزاء من جوهرنا كبشر، من دون مساهماتهم.
أمّا اليوم فيواصل جيل جديد من المنحدرين من أصل أفريقي، من نشطاء وفنانين وخبراء اقتصاد، تشكيل مجتمعاتنا وثقافاتنا، والمساهمة في بناء مستقبل أكثر عدلاً ومساواة.
يجب أن نعترف بهذه المساهمات، الماضية والحاضرة، وأن نعتز ونحتفي بها.
لكن، على الرغم من هذا التقدم، لا نزال بعيدين كل البعد عن مبتغانا.
فمجتمعاتنا لا تزال تعجّ بالعقبات، النظمية والتاريخية والمدمرة، التي تحول دون تمتع المنحدرين من أصل أفريقي بحقوق الإنسان والحريات الأساسية.
ولا تزال العنصرية والتمييز وعدم المساواة متغلغلة في نسيج حياتهم، بطرق دنيوية وأخرى خطيرة.
حيث تُحرَم مثلًا امرأة منحدرة من أصل أفريقي من مسكنات الألم الكافية أثناء الولادة، ويَترُك مراهق أسود المدرسة قبل الأوان، ويُقتَل طفل أسود على يد شرطي أثناء لعبه مع أصدقائه.
كما يعاني المنحدرون من أصل أفريقي من المرض بمعدلات أعلى، ومن انخفاض متوسط العمر المتوقع، ومن ارتفاع معدلات وفيات الرضع والأمهات.
ويعانون أيضًا من معدلات بطالة أعلى، ويتقاضون أجورًا أقل، ويشغلون وظائف أقل مهارة مقارنةً مع بقية السكان.
وهم ممثَّلون تمثيلاً ناقصًا في الشؤون العامة والسياسية.
وفي جميع المجالات، يتضرّر المنحدرون من أصل أفريقي بشكل غير متناسب من الفقر، وآثار تغير المناخ والظلم البيئي، ومخاطر التحيز العنصري في التكنولوجيات الرقمية الجديدة وفي التعامل مع أجهزة إنفاذ القانون ونظام العدالة الجنائية.
ويتقاطع العديد من طبقات التمييز هذه بطرق خبيثة، وتتراكم فوق بعضها البعض، وتخنق أفراد ومجتمعات محلية بأكملها، لا سيما تلك التي تقع على مفترق هياكل السلطة الراسخة وأنظمة القمع.
هذا الواقع غير مقبول ومؤسف، ويجب أن يتغير فورًا.
أيها المندوبون الكرام والأصدقاء الأعزاء،
إن إعلان عقد دولي ثانٍ شامل للمنحدرين من أصل أفريقي حاسم لبلوغ هذا الهدف.
ومن شأن العقد الدولي الثاني أن يحافظ على الزخم وأن يبني على التقدم المحرز. كما يجب أن يقود جهودًا أكبر وإجراءات أكثر صرامة لمعالجة القضايا القديمة والتحديات المعاصرة المتزايدة على حد سواء.
ويجب ترسيخ المنحدرين من أصل أفريقي في صميم هذه العملية. ويجب أن يسترشد العقد الدولي الثاني بتجاربهم الحية ومعارفهم وخبراتهم. فوجهات نظرهم محورية في تشكيل مستقبلهم.
يجب أن نتعلم مما حدث في السنوات العشر الماضية، كي يكون العقد القادم تحويليًا بكلّ ما للكلمة من معنى. وكي نعيش، مع حلول نهاية العقد المقبل، في مجتمعات أكثر مساواة وعدالة.
ما يعني اتخاذ إجراءات حاسمة لتفكيك العنصرية النظُمية، من خلال اعتماد سياسات وقوانين وتدابير مؤسسية جديدة.
ما يعني أيضًا معالجة المظالم التاريخية ومظاهرها المعاصرة.
ومواجهة إرث الاستعباد والاستعمار وتحقيق العدالة التعويضية.
يجب أن ترتكز هذه الخطوات كلّها في القانون الدولي لحقوق الإنسان وأن تنطوي على الاعتذار رسميًا وعمليات كشف الحقيقة والتعويض بأشكال مختلفة.
وأن تترسّخ المساواة العرقية في صميم التنمية المستدامة. وأن تعتمد الأمم المتّحدة إعلانًا حازمًا بشأن احترام حقوق الإنسان للمنحدرين من أصل أفريقي وحمايتها وإعمالها.
لن يتحقّق التغيير الحقيقي، أي التغيير التحويلي، إلا من خلال قيادة حازمة وإرادة سياسية أكبر، ومن خلال تحسين الموارد.
وهذا يبدأ هنا والآن واليوم، وستواصل مفوضيتنا بذل قصارى جهدها بغية دعم هذه الجهود، لا بل ستقوم بأكثر من ذلك بعد.
ينطلق تاريخ الإنسانية والفكر والإبداع من أفريقيا. فجذور جميع الأنشطة البشرية تعود إلى أفريقيا. ويحمل المنحدرون من أصل أفريقي هذا التاريخ ويمضون به قدمًا، وحياتنا أكثر ثراءً نتيجة لذلك.
وعلى من لا ينحدرون منا من أصل أفريقي أن يتأملوا في هذا الإرث وأن يكرموه.
علينا أن نقف جميعنا متحدين من أجل الاعتراف بالمنحدرين من أصل أفريقي ومن أجل تحقيق العدالة والتنمية لهم في كل مكان.
وشكرًا.