البيانات والخطابات المفوضية السامية لحقوق الإنسان
المفوض السامي فولكر تورك: المدن من أجل حقوق الإنسان ملاذات لليقين في عالم تسوده الاضطرابات
14 أيّار/مايو 2026
أدلى/ت به
مفوّض الأمم المتّحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك
في
منتدى مدن من أجل حقوق الإنسان "مدن من أجل حقوق الإنسان ضدّ السلطوية والشعبوية" - غوانغجو
حضرة رئيس البلدية كانغ،
أيّها المشاركون الكرام، أصدقائيّ الأعزاء،
An‑nyeong‑ha‑sim‑ni‑kka.
إنّه لمن دواعي سروري أن أكون معكم اليوم.
أود أن أعرب عن عميق تقديري لما أبداه الشعب الكوري من حفاوة استقبال استثنائية، ولما تضطلع به مدينة غوانغجو من دور قيادي في حشد مدن حقوق الإنسان على الصعيد العالمي من خلال هذا المنتدى.
تقف غوانغجو شاهدًا حيًا على القوة العالمية للتضامن والمشاركة المدنية. ففي هذا المكان، قبل نحو خمسين عامًا، وقف آلاف المدنيين صفًا واحدًا في وجه القمع – وتعرّضوا لقمع وحشي أودى بحياة الكثيرين.
في طريقي إلى هنا، زرت مقبرة 18 مايو، حيث لا تزال هذه الذكريات حاضرة في الأجواء. إنه موقع مؤثّر للغاية، عشت فيه لحظة مهيبة.
من خلال اختيار مدينتكم ألا تنسى أبدًا تضحيات المدفونين هناك، وأن تواصل السعي إلى تحقيق العدالة لهم، تساهم في ضمان عدم تكرار مثل هذه الفظائع.
لقد أثّرت الشجاعة الاستثنائية التي أبداها ضحايا الانتفاضة والناجون منها، في مسيرة أمتكم نحو الديمقراطية وألهمت أجيالاً من المواطنين الملتزمين – ليس هنا في كوريا فحسب، بل في أماكن أخرى من العالم أيضًا.
ومن بين هؤلاء، الكاتبة الحائزة على جائزة نوبل هان كانغ التي ركّزت في كتاباتها على صدمة انتفاضة غوانغجو، وعلى الدروس التي تحملها لإنسانيتنا المشتركة.
وتلك الإنسانية هي أمر نختاره كل يوم – في عائلاتنا، وفي مجتمعاتنا المحلية، وبالطبع في مدننا. نختارها عندما نصغي إلى بعضنا إلى بعض، وعندما نقف في وجه الظلم، وعندما نهتم بمن هم في حاجة إلى الدعم.
ويكتسي ذلك أهمية خاصة في وقت غالبًا ما يتخذ فيه أصحاب السلطة، على الصعيدين الوطني والدولي، الخيارات المعاكسة.
فالحكومات تنفق التريليونات على تعزيز جيوشها، فيما يعاني ملايين الأشخاص من الجوع. وتتزايد الأنظمة الاستبدادية بوتيرة مقلقة. والعنصرية، ومعاداة النساء، والكراهية بجميع أشكالها تظهر على الملأ – حتى في أعلى مستويات الحكومة.
ويُساء استخدام التكنولوجيات الجديدة للاستقطاب والتفريق والتدمير. وفي الوقت نفسه، يطلق كوكبنا الآخذ في الاحترار صرخة استغاثة مطالبًا باهتمامنا – لكن من دون جدوى.
تقف المدن في الخطوط الأمامية للعديد من هذه الأزمات. فازدياد الفقر وعدم المساواة، والرعاية الصحية والتعليم غير الملائمين، وضغوط الطاقة، ونقص المياه، وتلوث الهواء، والازدحام المروري، ليست سوى بعض تحديات الحياة الحضرية الحديثة.
إنّ حقوق الإنسان للأشخاص الذين يعيشون في المدن هي حقوق أكثر من نصف سكان العالم – وهو رقم من المتوقع أن يرتفع إلى 60 بالمئة بحلول عام 2030. والقرارات التي تتخذها المدن اليوم – بشأن الموارد والخدمات والأولويّات – تنعكس آثارًا بارزة على مستقبل كوكبنا والإنسانية جمعاء.
ومع أن الضغوط تتزايد، فإن الفرص تتزايد أيضًا – إذا أحسنا·اغتنامها.
لهذا السبب، يتجه العديد من القادة المحليين – بما في ذلك العديد منكم في هذه القاعة، وعبر الانقسامات السياسية – إلى حقوق الإنسان بحثًا عن الحلول.
لأن حقوق الإنسان تنفع الناس.
فحقوق الإنسان والمساواة والإدماج تقدم للمدن نموذج حوكمة متماسك – نموذجًا يعززّ القدرة على الصمود والاستقرار والثقة. كما أ،ها بمثابة بوليصة تأمين في أوقات الاضطراب.
المدن من أجل حقوق الإنسان هي حصن في وجه التيارات الاستبدادية والشعبوية التي نراها اليوم.
في المدن، تفقد الشعارات زخمها. فالناس يحتاجون إلى إجراءات عملية وجوهرية وملموسة تُحسّن حياتهم.
الشعبوية لا تحل المشاكل – حقوق الإنسان هي التي تحلها.
أيّها المشاركون الكرام، أصدقائيّ الأعزاء،
لتناول مسألة عدم المساواة.
اليوم، يعيش حوالي واحد من بين كل أربعة سكان حضريين في مستوطنات عشوائية – تُعرَف أيضًا بأحياء الصفيح أو الفافيلا أو مناطق السكن العشوائي أو الأحياء الفقيرة.
وهذه المستوطنات العشوائية هي مستوطنات غير مخططة وغالبًا ما تعاني من نقص في البنية التحتية الأساسية مثل المياه والصرف الصحي والكهرباء. إنها تحدّ من الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والفرص، لا بل يمكن أن تؤدي حتى إلى زعزعة الاستقرار.
وعلى العكس من ذلك، عندما تضع الميزانيات الناس أولاً، يمكن لكل من المجتمعات المحلية والأسواق أن تزدهر. ويقدر البنك الدولي أن الدفع عالميًا لتحسين المستوطنات العشوائية قد يزيد الناتج المحلي الإجمالي في بعض البلدان بنسبة تصل إلى 10 بالمئة.
وتُظهر الدراسات أن المدن التي تمنح الأولوية للمساواة بدلًا من التركيز على النمو وحده، تحقق أداءً أفضل من الناحية الاقتصادية.
ففي ميديين في كولومبيا، على سبيل المثال، ركزت السياسات الحضرية على التخفيف من عدم المساواة ما أدى إلى خفض معدلات جرائم القتل، وتحسين النقل، وجذب الاستثمار.
وفي أوتريخت في هولندا، فتح تيسير شروط الاستفادة من الرعاية الاجتماعية مسارات جديدة أمام الناس للعثور على عمل.
وفي بلدي النمسا، ساهم توسيع نطاق السكن الاجتماعي في فيينا في منع التشرّد والحدّ منه، ما جعل المدينة أكثر أمانًا واستقرارًا اقتصاديًا، كما أصبحت أسعار السكن فيها مقبولة.
إنّ حقوق الإنسان تمكّن الناس – اقتصاديًا، واجتماعيًا، وسياسيًا.
وهذا هو بالضبط السبب الذي يجعل الحكام المستبدين يكرهونها إلى هذا الحدّ.
فحقوق الإنسان توزع السلطة التي لا يريدون تقاسمها.
تاريخيًا، كثيرًا ما كانت المدن – كما تبيّنه التجارب هنا في غوانغجو – واحات للديمقراطية والحرية، وحامية للحيّز المدني. ومن جديد لأن حقوق الإنسان توفر حلولاً.
من بورتو أليغري في البرازيل إلى كيرالا في الهند، عززت المشاركة الحوكمة المحلية، وجعلت السياسات أكثر استجابةً، وحسنت الامتثال، وعززت المساءلة.
العيش جنبًا إلى جنب في مجتمعات محلية متنوعة يمكن أن يعزز التضامن والإبداع، بدلاً من أن يهدد سلامنا أو ثقافتنا – كما يريد الشعبويون منا أن نعتقد.
اللاجئون والمهاجرون والأقليات – الذين غالبًا ما يتعرّضون لتشويه السمعة ويُستَخدَمون ككبش فداء – يثرون مجتمعاتنا، ويسدّون النقص في اليد العاملة، ويعزّزون الإبداع والنمو الاقتصادي.
لقد جربت مدن عدّة سبلًا مبتكرة لتسخير تنوعها.
أنشأت مدينة غنت في بلجيكا فرقة عمل لمعالجة احتياجات اللاجئين والاستجابة لمخاوف المجتمعات المحلية المضيفة.
ورسّخت أمستردام، إلى جانب غيرها من المدن في شبكة مدن قوس قزح، إدماج مجتمع الميم-عين في جميع السياسات الحضرية.
بالطبع، يمكننا دومًا القيام بالمزيد.
فاليوم، لا تضم أكبر 300 مدينة في العالم سوى 25 مدينة تتولى رئاسة بلديتها نساء. وقد نجحت أولئك القليلات، في حالات كثيرة، في إحداث تحول في مدنهن.
من مونتريال في كندا وباريس في فرنسا إلى فريتاون في سيراليون وديسبيناديروس في الأرجنتين، دافعت رئيسات البلديات عن التنقل الأخضر، واستعدن الفضاء العام لصالح الناس، وجعلن مدنهن أكثر أمانًا وراحة للجميع.
وبنفس الطريقة، يجلب رؤساء البلديات الشباب أساليب قيادية جديدة، ويحفّزون الابتكار، ويساعدون في تجديد المدن التي يغلب عليها المتقدمون في السن. ومع ذلك، لا يزال رؤساء البلديات الذين تقل أعمارهم عن 30 عامًا نادرين للغاية.
يمكن لمزيج أوسع من القادة المحليين أن يجلب أفكارًا جديدة، وانفتاحًا أكبر، وقدرة أكبر على العمل – بما في ذلك الاستجابة للتحديات العالمية.
تسهم المدن بنسبة 75 في المائة من انبعاثات الكربون في العالم – والعديد منها يقود العمل المناخي.
وتدفع مبادرات مثل مجموعة القيادة المناخية للمدن C40 بالتغيير قدمًا – حتى عندما يكون الطموح الوطني دون المستوى المطلوب. وتمثل مدن C40 مجتمعةً نحو ربع الاقتصاد العالمي، لذا فإن قراراتها تُحدث فرقًا.
لكن حتى المبادرات الأصغر حجمًا يمكن أن تغيّر المسار.
من كوبنهاغن في الدانمرك إلى أحمد آباد في الهند إلى كامبالا في أوغندا، تعتمد مدن من مختلف المناطق تدابير عملية للتصدّي للطوارئ المناخية، من إدارة النفايات إلى خطط العمل لمواجهة الاحترار، وصولًا إلى برامج السكن القادرة على المواجهة والصمود.
مشاريع الطاقة المتجددة على المستوى المحلي هي مستقبل أمن الطاقة. ومع اضطراب أسواق الطاقة بفعل الأزمات الجيوسياسية، بات ذلك أكثر أهمية من أي وقت مضى.
أيّها المشاركون الأعزّاء،
بينما تعملون على جعل المدن من أجل حقوق الإنسان واقعًا ملموسًا، يمكن للتكنولوجيا أن تقدم لكم يد العون – أو أن تدفعكم إلى الهاوية.
يمكن للأدوات الرقمية أن توسّع نطاق الوصول إلى الخدمات الأساسية وأن تجعل الفضاءات العامة أكثر أمانًا وإتاحة. ويمكنها أن تكشف التمييز وتحد منه من خلال تحليل البيانات والتدخلات الموجهة.
كما يمكن أن يوسع التصويت الرقمي والمشاورات الرقمية المشاركة وأن يدعما الشفافية والمساءلة.
هنا في كوريا الجنوبية، تنفّذ سيول نظامًا للسلامة المرورية من أجل الأطفال، باستخدام الذكاء الاصطناعي والأجهزة التكنولوجية القابلة للارتداء.
وفي إستونيا، أطلقت تالين بطاقات هوية رقمية تتيح للمقيمين الوصول إلى الرعاية الصحية والإعانات عبر الانترنت على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع.
وفي كينيا، منحت نيروبي الأولوية للخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول، ما أدى إلى توسيع الوصول إلى الخدمات المالية بشكل كبير.
لكن التكنولوجيا لا يمكن أن تساعد إلاّ إذا كانت آمنة ومتاحة للجميع وبأسعار مقبولة.
وتُظهر الدراسات باستمرار أن استخدام الإنترنت في الأحياء الفقيرة لا يمثّل سوى جزء بسيط من متوسط الاستخدام في المدينة. إنّ عدم المساواة في الوصول إلى المعلومات آخذ في الاتّساع، وهو بمثابة برميل بارود. وقد يفتح الباب أمام التضليل الإعلامي لا بل يشعل الاضطرابات حتّى.
يمكن للمدن من أجل حقوق الإنسان أن تمنع ذلك من خلال البنى التحتية والمهارات الرقمية الأفضل، ودعم الاتصال، ودعم الإعلام المحلي.
يمكن أن تنتشر المعلومات المضلّلة بسرعة نقرة واحدة – أحيانًا ضمن إطار حملات مُنسّقة بعناية مناهضة للحقوق.
دعت لندن مؤخرًا إلى تشديد الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي بعد موجة من التضليل الإعلامي زادت من الشعور بانعدام الأمن، وغذّت كراهية الإسلام والعداوة تجاه المهاجرين.
في إسبانيا، تقوم برشلونة بإنشاء وحدة متخصصة لمكافحة الأخبارالكاذبة والتضليل الإعلامي.
كما تنطوي المدن الذكية على خطر وقوع البيانات في الأيدي الخطأ.
هناك مخاوف بشأن شركات التكنولوجيا المتعاقدة مع المدن التي تبيع بيانات السكان، وبشأن حالات وصول قراصنة إلى البث المباشر لكاميرات الشرطة. وهذا يستدعي رقابة قوية وبذل العناية الواجبة بشكل صارم.
تقف المدن أيضًا في طليعة الجهود الرامية إلى الحد من أثر شركات التكنولوجيا على المجتمعات المحلية والبيئة.
ففي ملبورن في أستراليا مثلًا، تضغط المدينة من أجل اعتماد قواعد لتنظيم مراكز البيانات، بعدما احتسبت أن منشأة واحدة قد تستهلك ما يصل إلى خُمس طاقة المدينة.
أصدقائيّ الأعزاء،
عندما تتمايل الطوابق العليا من مبنى ما، فإن الأساسات هي التي تبقيه واقفًا.
وفي أزمنة كأزمنتنا هذه – أزمنة من الاضطراب والقلق والارتباك – يمكن للمدن من أجل حقوق الإنسان أن تشكّل ذلك الأساس.
فالمدن من أجل حقوق الإنسان هي شبكة عالمية من التضامن والحرية. وهي ملاذات يقين، حيث لا تزال المبادئ الناظمة للرفق والرعاية والإنصاف قائمة.
لهذا السبب، تُعد المدن محورًا رئيسيًا من محاور عمل مفوضيتنا.
من كينيا، والعراق، والفلبين إلى جنوب أفريقيا، وتونس، وأوزبكستان، تعمل مفوضيتنا مع السلطات المحلية على إدماج حقوق الإنسان في السياسات والميزانيات، وضمان سماع صوت الناس في عمليات صنع القرار المحلية.
وتضمّ مبادرة مدن من أجل حقوق الإنسان اليوم 104 أعضاء، والعدد في تزايد مستمرّ. وفي العام الماضي، طورنا إطار المبادئ التوجيهيّة لبناء مدينة من أجل حقوق الإنسان، بالتعاون مع شركائنا في منظمة المدن المتحدة والحكومات المحلية.
والشهر المقبل، يُطلق تحالفنا العالمي الجديد من أجل حقوق الإنسان مبادرة رائدة لتعزيز حركة مدن من أجل حقوق الإنسان من خلال سبل جديدة للتواصل والتبادل ومشاركة الأفكار.
أدعوكم جميعًا إلى الانضمام إلينا ودعم طموحنا في زيادة عدد المدن من أجل حقوق الإنسان عالميًا إلى 1,000 خلال السنوات الثلاث المقبلة، حين نحتفل بالذكرى السنوية الثمانين لاعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
لقد وُلدت الديمقراطية في المدن.
واليوم، يمكنكم أن تُظهروا أن المدن لا تزال تقود المسيرة – وأن حقوق الإنسان هي الخيار الوحيد القابل للتطبيق من أجل السلام، والاستدامة، والكرامة للجميع.
وشكرًا.