ليبيا: نمط من الانتهاكات والتجاوزات المُمَنهجة لحقوق الإنسان ضدّ المهاجرين
17 شباط/فبراير 2026
قال جورج*، وهو مواطن كيني احتُجز قسرًا في الكفرة بليبيا، وتعرض للضرب مرارًا، وأُجبرت أسرته على دفع 10,000 دولار أميركي مقابل إطلاق سراحه: "كنا نتعرض للضرب كل يوم."
وتابع قائلًا: "كانوا يتصلون بأسرنا باستخدام أرقام هاتفية مختلفة ويطالبونها بالمال. وقد تمرّد أحد الفتيان — فتعرض للضرب والقتل. قيل لنا إنهم سيواصلون ضربنا إلى أن يدفع أهلنا الفدية. وإذا لم يدفعوا، فسيقتلوننا أو يتخلون عنا أو يلقون بنا في الصحراء.
إنّ العنف ضدّ المهاجرين وملتمسي اللجوء واللاجئين في ليبيا ليس حادثًا عرضيًا — بل يشكل نموذج أعمال ممنهجًا قائمًا على الاستغلال، وفقًا لتقرير مشترك جديد صدر عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ومفوضيّة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان. ويسلط التقرير الضوء على أنماط انتهاكات وتجاوزات حقوق الإنسان المرتكبة بحق المهاجرين وملتمسي اللجوء واللاجئين في ليبيا، في ظل الإفلات من العقاب، خلال العامين 2024 و2025.
ووصف جورج كيف كان هو وأكثر من 300 شخص آخرين محشورين في غرفة صغيرة، يتعرضون للضرب يوميًا، ولا يحصلون إلا على وجبة واحدة في اليوم، مكوّنة من المعكرونة والماء. وقد احتجزه المتجرون مدة ثلاثة أشهر، وخلّف الضرب المتكرر ندوبًا عميقةً في ظهره.
وأخبر قائلًا: "كانت تجربةً صادمة. فقد تم احتجازي في الكفرة. الوضع هناك مزرٍ للغاية. إنهم يستأجرون منازل لهذا الغرض — فهذه هي التجارة الرائجة هناك. إنه اتجار بالبشر. وإذا حاولتم الفرار، يمسك بكم آخرون مجددًا ويطالبون بفدية. إنني أناشد طلبًا للمساعدة لأن ما يحدث في الكفرة لا يمكن قبوله. هم يعاملون الناس بوحشية ويقتلونهم."
وجورج واحد من بين العديد من المهاجرين واللاجئين وملتمسي اللجوء الذين خُدعوا بوعود بحياة أفضل في ليبيا. كان يعيش في جنوب السودان، ويعمل طاهيًا، ووُعِد بفرصة عمل أفضل. وسافر عبر السودان الممزق بالحرب قبل أن يصل إلى ليبيا. ووفقًا لجورج، دخل بعض المهاجرين ليبيا طوعًا، على أمل العبور في النهاية إلى أوروبا.
وبحسب ما أشار إليه التقرير، يتعرّض المهاجرون وملتمسو اللجوء واللاجئون العابرون عبر ليبيا غالبًا للاتجار، والاحتجاز التعسفي، ويتم بيعهم مرارًا. ويتعرض الكثيرون للتعذيب والمعاملة اللاإنسانية بهدف ابتزاز أفراد الأسرة في الخارج ودفعهم إلى تسديد فدية. أمّا النساء والفتيات فغالبًا ما يتعرضن للعنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب والاستغلال الجنسي، في حين أن الرجال غالبًا ما يتعرضون للتعذيب وسوء المعاملة. ويوثق التقرير حالات اختفاء قسري وإفادات عن أشخاص فُقد أثرهم عقب اعتراضهم أو احتجازهم أو نقلهم إلى مراكز للاتجار بالبشر، من دون أن تتلقى أسرهم أي معلومات عن مصيرهم أو أماكن وجودهم.
ويوثّق التقرير أيضًا اكتشاف مقابر جماعية في جنوب ليبيا وشرقها وغربها — يحتوي العديد منها على جثامين مجهولة الهوية — مع وجود مؤشرات إلى أن مقابر أخرى لم تُكتشف بعد.
ويشير التقرير إلى أن هذه الانتهاكات والتجاوزات تُرتكب في إطار نموذج أعمال — يحوّل التنقل البشري إلى سلاسل توريد والمعاناة البشرية إلى مصدر أرباح.
واستنادًا إلى مقابلات مع نحو 100 شخص، خلص التقرير إلى أن المهاجرين وملتمسي اللجوء واللاجئين في مختلف أنحاء ليبيا يتعرضون لجمعهم قسرًا واختطافهم وفصلهم عن أسرهم وتوقيفهم واحتجازهم تعسفًا، ثم نقلهم — تحت تهديد السلاح في الكثير من الأحيان — إلى مرافق احتجاز رسمية أو غير رسمية أو غير قانونية، من دون مراعاة الأصول القانونية الواجبة.
وإضافةً إلى اتساع نطاق التجاوزات، تضطلع الجماعات المسلّحة والمتّجرون والجهات المرتبطة بالدولة بأدوار متداخلة، ما يطمس الخط الفاصل بين سلطة الدولة والأنشطة الإجرامية.
ووصفت سوكي ناغرا، ممثلة مفوضيّة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان في ليبيا، الوضع بأنه "مأساوي وبالغ الخطورة."
فقالت: "نشهد موجات من خطاب الكراهية والاعتداءات العنصرية القائمة على كره الأجانب ضد المهاجرين وملتمسي اللجوء واللاجئين، بالإضافة إلى عمليات اعتراض في البحر حيث يتم إعادة الناس إلى ليبيا — التي لا نعدّها مكانًا آمنًا لإنزالهم أو إعادتهم إليها."
“
عقب إنزالهم في ليبيا، يُحتجزون بكلّ بساطة في مراكز احتجاز تشكل بيئة خصبة لانتهاكات وتجاوزات حقوق الإنسان.
“
سوكي ناغرا، ممثل مفوضيّة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان في ليبيا
أصبح الاحتجاز مصدرًا للدخل ضمن منظومة استغلالية مدفوعة بالربح، إذ يتوقف البقاء على قيد الحياة على دفع المال. أما مَن لا يملكون المال، فيُنقلون من جهة إلى أخرى أو يُباعون أو يُغيَّبون. ويوضح التقرير أن هذه الفظائع ليست حوادث معزولة، بل ممارسات واسعة النطاق ومنهجية يغذيها الطلب، ويتيح استمرارها الإفلات من العقاب، وقد جعلها المجرمون والجهات الفاعلة التابعة للدولة التي تستغل المهاجرين في أوضاع شديدة الهشاشة، أمرًا معتادًا.
ويوثّق التقرير أيضًا حالات فردية، من بينها حالة صابر، البالغ من العمر 25 عامًا من درعا في سوريا، الذي فرّ هربًا من التجنيد الإجباري وسافر عبر دمشق قبل وصوله إلى ليبيا في مطار بنينا. وقد احتُجِزَ في ليبيا في عام 2023، حين كان يبلغ من العمر 23 عامًا.
ويتناول التقرير أيضًا حالة غلوريا، وهي نيجيرية أُجبرت على الزواج وهي طفلة في سن الخامسة عشرة. وقد روت، خلال مقابلة هاتفية، كيف تعرضت للخداع والبيع والإكراه على ممارسة البغاء.
وأخبرت قائلة: "عندما وصلتُ إلى ليبيا، لم أكن أخطط للذهاب إلى هناك. فقد قالت لي امرأة أنني سأذهب إلى كانو للعمل في مطعمها. ووضعونا في حافلة نقلتنا إلى ليبيا. وعندما وصلنا، كان الوضع مأساويًا للغاية. كانوا يبيعون الناس. وعندما وصلت، باعوني — من دون أن أدرك ذلك. وباعوا أختي أيضًا. يأتي الناس إلى هناك لشراء أشخاص ىخرين، لشراء البشر. وأجبروني على ممارسة البغاء. وبقِيت هناك لفترة طويلة قبل أن أتمكّن من الفرار."
يوثق التقرير أيضًا عدة حوادث سقط فيها أفراد في البحر أو قفزوا من القوارب خلال عمليات اعتراض خطيرة نفذتها السلطات الليبية. ووثقت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والمفوضية السامية لحقوق الإنسان حالات أُفيد فيها بأن جهات مختلفة عاملة في البحر أطلقت أعيرةً نارية بالقرب من قوارب منكوبة أو باتجاهها. وتُنسب عمليات الاعتراض هذه إلى خفر السواحل الليبي، والإدارة العامة لأمن السواحل، بالإضافة إلى جهات أمنية وجماعات مسلّحة أخرى تنشط في البحر.
وتشير النتائج إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وتدعو مفوضيّة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان إلى المساءلة وإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب المتجذرة.
وقد شدّدت ناغرا قائلة: "نوصي بإجراء تغييرات قانونية وسياسية لإنهاء نموذج الأعمال الاستغلالي الراسخ، والكامن وراء هذه الانتهاكات والتجاوزات. وتشكل المساءلة مجالًا رئيسيًا في هذا الصدد — بما يشمل محاسبة الجهات الأمنية والمتجرين والجهات المتواطئة المرتبطة بالدولة. فالمساءلة تنصف الضحايا وتشكل رادعًا يحول دون ارتكاب المزيد من الانتهاكات والتجاوزات."
ويدعو التقرير أيضًا إلى الإفراج الفوري عن جميع المهاجرين وملتمسي اللجوء واللاجئين المحتجزين تعسفًا، والكفّ عن تجريم دخول البلاد والإقامة فيه والخروج منه بطرق غير نظامية. ويحثّ على وقف جميع عمليات الاعتراض والإعادة إلى ليبيا إلى حين توفير الضمانات الكافية لحماية حقوق الإنسان.
*لم تذكر المقالة سوى الاسم من دون الشهرة حمايةً الضحايا.