Skip to main content

الدعاوى القضائية التي تُسكت من يعبّرون عن آرائهم

23 أيلول/سبتمبر 2026

متظاهرون يشاركون في مسيرة سلمية احتجاجًا على تعليق صدور منشورَيْن اقتصاديَّيْن ماليزيين مدّة ثلاثة أشهر، بسبب تغطيتهما أخبار شركة استثمار حكومية مثقلة بالديون.
© الوكالة الأوروبية للصور الصحفية/ أحمد يوسني

صحفي يكشف الفساد. ويدافع أحد قادة الشعوب الأصلية عن أرض مجتمعه. ويدقّ ناشط بيئي ناقوس الخطر بشأن تلوّث مدمّر. ثم تأتي دعوى قضائية.

تهدف الدعاوى القضائية الاستراتيجية ضدّ المشاركة العامة إلى ترهيب مَن يجهرون بآرائهم بشأن قضايا تهمّ المجتمع، واستنزافهم وإسكاتهم. وفي 16 أيلول/ سبتمبر، قدّمت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، خلال الدورة الـ63 لمجلس حقوق الإنسان المنعقد في جنيف بسويسرا، تقريرًا يبحث في أثر هذه الدعاوى على حقوق الإنسان.

وتم إعداد التقرير استجابةً لطلب المجلس الوارد في القرار 56/7، وهو يستند إلى المناقشات التي جرت خلال حلقة عمل للخبراء نُظِّمَت في 28 أيار/ مايو 2025.

وخلال حلقة العمل، اعتبر أحد ممثّلي المفوضية السامية أنّ استخدام هذه الدعاوى يشكّل توظيفًا تعسّفيًا للنُظُم القضائية. فهي لا تُحرّف الغاية من الإجراءات القانونية فحسب، بل تحوّل المحاكم من أدوات لإحقاق العدالة إلى أدوات للقمع.

عندما يُستخدم القانون للإسكات

غالبًا ما تنطوي الدعاوى القضائية الاستراتيجية ضدّ المشاركة العامة على اتهامات بالتشهير أو القدح والذمّ أو انتهاك الخصوصية. وقد تُستخدم لاستنزاف الموارد المالية للمدّعى عليهم، والإضرار بسمعتهم، وثنيهم عن كشف التجاوزات.

ويشمل المستهدفون، على سبيل المثال لا الحصر، الصحفيين الذين يحقّقون في قضايا الفساد، والمدافعين عن البيئة الذين يتصدّون للتلوّث والتدمير البيئي، وقادة الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية الذين يدافعون عن الحقوق في الأرض، والمبلّغين عن المخالفات، والأكاديميين الذين يُجرون بحوثًا نقدية.

وتُرفع هذه الدعاوى وتُصمَّم بهدف استنزاف الموارد المالية للمستهدفين، وتثبيط عزيمتهم، والإضرار بسمعتهم لدى الجمهور - أي، بكلمة واحدة، إسكاتهم.

وغالبًا ما يكون أصحاب هذه الدعاوى من ذوي النفوذ السياسي والمالي، مثل الشركات والأثرياء والمسؤولين في القطاع العام. ويستخدمونها من أجل التصدّي لمَن يسعون إلى كشف سوء سلوكهم والدفاع عن الحقوق التي تُنتهَك، لا سيّما حقوق المجتمعات المحلية والحقوق المتعلّقة بالبيئة.

نضال صحفية من أجل العدالة

خلال الجلسة الأولى من حلقة العمل، التي ركّزت على أثر هذه الدعاوى الاستراتيجية على الصحفيين، تحدّثت الصحفية كلير ريوكاسل براون عن تجربتها الشخصية. وقالت إنّها استُهدفت بعدّة دعاوى قضائية استراتيجية ضدّ المشاركة العامة على خلفية عملها بشأن فضيحة شركة1Malaysia Development Berhad.

وشملت الفضيحة سرقة أكثر من 4.5 مليار دولار أميركي من صندوق الثروة 1Malaysia Development Berhad وغسلها عبر مؤسسات مالية أميركية. وأسهمت التغطية الصحفية الشجاعة في إدانة رئيس الوزراء الماليزي السابق نجيب رزاق بتهم غسل الأموال وإساءة استخدام السلطة في العام 2022.

وللأسف، ترتّبت على القضية أيضًا تبعات طالت الصحفيين. فقد عُلّق صدور منشورَيْن اقتصاديَّيْن ماليزيَّيْن مدّة ثلاثة أشهر، واحتُجز صحفيان أستراليان ورُحّلا من ماليزيا.

وتعرّضت براون للترهيب عبر رسائل زَعمت أنّ تقاريرها الصحفية تنطوي على القدح والذمّ والتشهير وانتهاك الخصوصية. وفي العام 2017، أدّت دعوى قضائية رُفعت على خلفية تغطيتها لأحد الأحزاب السياسية الماليزية إلى إجراءات مطوّلة استنزفت في نهاية المطاف مدّخراتها التقاعدية وعرّضت أسرتها لمخاطر مالية. 

متظاهرون يحملون لافتات ويردّدون شعارات خلال احتجاج في كوالالمبور بماليزيا، في 8 آب/ أغسطس. © الوكالة الأوروبية للصور الصحفية/ أحمد يوسني

وتُشكّل قضيتها مثالًا واضحًا على استخدام الدعاوى القضائية الاستراتيجية ضدّ المشاركة العامة لقمع عمل الصحفيين الاستقصائيين، وعلى العلاقة المتوتّرة بين أطراف التقاضي والحريات الإعلامية، وتؤكّد الحاجة إلى الإصلاح.

وفي أيار/ مايو 2024، أجرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان مقابلة مع براون تناولت تجربتها في تغطية الانتهاكات البيئية والفساد في ماليزيا.

وأشارت إيرين خان، المقرّرة الخاصة السابقة المعنية بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير، إلى أنّ هذه الدعاوى شائعة لأنّها تمثّل شكلًا من أشكال القمع أكثر خفاءً من الاعتداءات الجسدية الصريحة. وهي فعّالة في إسكات الأصوات المعارضة في الكثير من الحالات، وغالبًا ما تنجح في دفع المدّعى عليهم إلى الإفلاس أو في ردعهم.

نمط من الممارسات التعسفية

وأيّدت مارغريت ساترثوايت، مقرّرة الأمم المتحدة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين، هذا الرأي، معتبرةً أنّ هذه الممارسات تشكّل استخدامًا تعسّفيًا للنظام القضائي، تلجأ إليه الشركات الكبرى في المقام الأول.

وسلّطت الضوء على ثلاثة عناصر أساسية مشتركة بين هذه الدعاوى: اختلال موازين القوة المالية والاجتماعية والسياسية لصالح المدّعين، بما يمنحهم نفوذًا أكبر؛ وإساءة استخدام الإجراءات القانونية بصورة موجّهة من خلال مطالبات غير متناسبة؛ واستهداف الأنشطة المرتبطة بالمشاركة العامة.

“

رَفعت جهات خاصة 474 دعوى قضائية منذ العام 2015، وانطوى 68 في المائة منها على اتهامات جنائية.

“

مارغريت ساترثوايت، مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين

صحفيون ومؤيّدون لم تُحدَّد هوياتهم يتجمّعون في وسط الجزائر العاصمة من أجل المطالبة بالإفراج عن محمد بن شيكو، رئيس تحرير صحيفة لوماتان المسجون، في 3 أيار/ مايو 2005. © الوكالة الأوروبية للصور الصحفية/ فضيلة عمران

قدّمت ساترثوايت توصيات ترمي إلى وضع حدّ لهذا الاستخدام التعسّفي للتشريعات، منها: يجب تدريب القضاة على التعرّف على هذه الدعاوى ومناقشتها على نحو سليم. ويجب على نقابات المحامين وضع إرشادات أخلاقية لفرض جزاءات على المحامين الذين يسيئون استخدام النظام القضائي. كما يجب على الدول سنّ التشريعات اللازمة من أجل التصدّي لاستخدام هذه الدعاوى وإلغاء تجريم التشهير حيثما كان ذلك مناسبًا.

ووصفت روبرتا كلارك، المقرّرة السابقة المعنية بالمدافعين عن حقوق الإنسان والعاملين في مجال العدالة لدى لجنة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان، أنماط إساءة استخدام نظام العدالة الجنائية ضدّ المدافعين عن حقوق الإنسان في الأميركتين ومنطقة البحر الكاريبي.

وأشارت كلارك إلى حالات في غواتيمالا استُخدمت فيها تهمة الاستيلاء غير المشروع على الأراضي بغية تحريك إجراءات قضائية ضدّ مدافعين من الشعوب الأصلية. كما شاع الاحتجاز المطوّل السابق للمحاكمة، كما في حالة صحفي استقصائي ظلّ محتجزًا لأكثر من 800 يوم.

ووثّقت لجنة البلدان الأميركية استخدام تشريعات مكافحة الإرهاب والأمن القومي، منذ الانتخابات الرئاسية التي شهدتها جمهورية فنزويلا البوليفارية في العام 2024، سبع مرّات على الأقل لتجريم أنشطة المدافعين عن حقوق الإنسان والبيئة.

وفي كوبا، جُرِّمت احتجاجات عديدة، واستُخدمت تهم مثل الاعتداء والإخلال بالنظام العام بغية ردع الأفراد عن العمل في مجال حقوق الإنسان والمشاركة في التجمّعات السلمية.

وأفادت ليدي نانسي زولواغا خاراميو، الباحثة القانونية الأقدم ومنسّقة المشاريع في مركز موارد الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، بأنّ منظمتها رصدت أكثر من 531 دعوى قضائية استراتيجية ضدّ المشاركة العامة بين كانون الثاني/ يناير 2015 وكانون الأول/ ديسمبر 2024، في 59 دولة. وكان معظم المستهدفين بهذه الدعاوى قد عارضوا أنشطة التعدين والأعمال الزراعية وقطع الأشجار.

ووجدت أنّ أكبر عدد من هذه الدعاوى سُجّل في أميركا اللاتينية، تليها آسيا والمحيط الهادئ. أمّا الحالات في الولايات المتحدة، فغالبًا ما ارتبطت بقطاعَي النفط والغاز.

وتعلّقت قضايا عديدة بالأراضي والبيئة، وأثّرت بصورة غير متناسبة على قادة المجتمعات المحلية وقادة الشعوب الأصلية والمدافعات عن حقوق الإنسان.

حماية الحق في التعبير على الرأي

بحثت حلقة عمل الخبراء أيضًا سبل التصدّي للدعاوى القضائية الاستراتيجية ضدّ المشاركة العامة.

وأشار نيخيل دوتا، المستشار القانوني الأقدم في المركز الدولي لقانون المنظمات غير الربحية، إلى أنّ تدابير التصدّي لهذه الدعاوى قد أُقرّت في العديد من الولايات القضائية، بما فيها أستراليا وكندا وكولومبيا وإندونيسيا وأيرلندا والفلبين وتايلند والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، فضلًا عن الاتحاد الأوروبي.

وشملت النُهُج الأخرى التي طُرحت خلال حلقة العمل من أجل التصدّي لهذه الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، سنّ تشريعات تحمي المشاركة العامة، وتمكين المحاكم من ردّ الدعاوى التعسّفية، وإنشاء صناديق عامة لتمويل الدفاع في مواجهة الدعاوى القضائية الاستراتيجية ضدّ المشاركة العامة، وإلزام الجهات التي ترفعها بدفع تعويضات عقابية.

وقد أصدرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان موجزًا بشأن الدعاوى القضائية الاستراتيجية ضدّ المشاركة العامة، يقدّم خلاصة شاملة للتقرير ولأثر هذه الدعاوى على حقوق الإنسان والحيّز المدني والضحايا. ويقترح الموجز تدابير ينبغي للدول اتخاذها بغية التصدّي لهذه الدعاوى، بما فيها إلغاء تجريم التشهير؛ واعتماد قوانين لمكافحتها؛ وإتاحة إمكانية ردّها من جانب المحاكم في مرحلة مبكرة؛ وضرورة تعويض الضحايا ومعاقبة المدّعين الذين يسيئون استخدام الإجراءات القضائية.

والرسالة واضحة: على الدول والجهات الأخرى تيسير تعبير الناس عن آرائهم، والتأثير في القرارات التي تمسّهم، ومساءلة مؤسسات الدولة. وعليها أن تبذل كلّ ما في وسعها من أجل ضمان ألّا يتعرّض الناس للترهيب القضائي بسبب دفاعهم عن حقوق الإنسان.

فحرية الرأي والتعبير قيمة ثمينة وأساسية لحماية جميع حقوق الإنسان، ويجب ألّا يتحوّل القانون إلى سلاح لإسكات مَن يعبّرون عن آرائهم.

الصفحة متوفرة باللغة: