البيانات والخطابات آليات متعدٓدة
تورك أمام مجلس الأمن: آثار الغارات الإسرائيلية وخيمة على المستشفيات في قطاع غزة
03 كانون الثاني/يناير 2025
أدلى/ت به
مفوّض الأمم المتّحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك
في
إحاطة مجلس الأمن علمًا بوضع الرعاية الصحية في غزة وبضرورة توفيرها
المكان
جنيف
سيّدي الرئيس، أصحاب السعادة،
لا تزال كارثة حقوق الإنسان تتكشف في غزة أمام أعين العالم. فقد أدّت وسائل الحرب التي تستخدمها إسرائيل وأساليبها إلى مقتل عشرات الآلاف من الأشخاص، كما تسبّبت في نزوح أعداد كبيرة من السكان، وفي تدمير القطاع. ما أثار مخاوف جمّة بشأن الامتثال للقانون الدولي.
يوثّق تقرير صدر مؤخرًا عن مفوضيّتنا، ويغطي الفترة الممتدّة بين 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023 و30 حزيران/ يونيو 2024، أنماطًا من الاعتداءات على المستشفيات، تبدأ بغارات جوية إسرائيلية، تليها هجمات تشنّها القوات البرية، واحتجاز بعض المرضى والموظفين، وإجبار آخرين على الخروج، ومن ثمّ سحب الجيش، ما يؤدّي إلى توقف المستشفى عن العمل بشكل كامل. كما وردت في التقرير تفاصيل عن عمليات قتل مرضى وموظفين ومدنيين آخرين.
وتواصل حماس والجماعات المسلحة الأخرى شن هجمات متفرّقة وعشوائية على إسرائيل، وتفيد التقارير بتعريضها المدنيين والبنية التحتية المدنية، بما في ذلك المرافق الصحية، للاعتداء نتيجة تحرّكها في محيطها، وهو أمر غير مقبول إطلاقًا.
إن حماية المستشفيات أثناء الحرب أمر بالغ الأهمية، ويجب أن تحترمه جميع الأطراف في جميع الأوقات.
ويتجاوز تدمير المستشفيات في جميع أنحاء غزة مجرد حرمان الفلسطينيين من حقهم في الحصول على الرعاية الصحية المناسبة.
فقد وفرت تلك المستشفيات ملاذًا لآلاف الأشخاص الذين لم يجدوا مكانًا آخر يلجأون إليه بعد استهدافها.
ويعكس الدمار الذي ألحقته الهجمات التي شنها الجيش الإسرائيلي يوم الجمعة الماضي على مستشفى كمال عدوان، وهو آخر مستشفى يعمل في شمال غزة، أنماط الاعتداءات الموثقة في التقرير. فقد تم إجبار بعض العاملين والمرضى على مغادرة المستشفى، في حين احتُجِز آخرون، بمن فيهم المدير العام، مع ورود العديد من التقارير عن تعرضهم للتعذيب وسوء المعاملة.
وقد أعلن الجيش الإسرائيلي في اليوم التالي عن انتهاء عمليته التي استمرت لأشهر في شمال غزة، حيث تم فصل شمال غزة عن مدينة غزة. وتردنا اليوم تقارير تفيد بأنّ مناطق محدّدة من شمال غزة قد أُفرغت بالكامل تقريبًا من الفلسطينيين.
لقد حذّرنا مرارًا وتكرارًا من أنّ العمليات العسكرية الإسرائيلية في شمال غزة تعرّض جميع السكان الفلسطينيين المتواجدين في المحافظة للخطر، نتيجة عمليات القتل والتهجير.
وعلى مدار أشهر طويلة، أبلغنا عن القصف المكثف الذي استهدف المباني السكنية والملاجئ والمرافق الطبية، وعن أوامر الإخلاء، ومنع دخول المساعدات، والاعتداءات على الفلسطينيين الذين يحاولون الفرار، وعلى الملاجئ حيث يقيمون بمجرد وصولهم إلى وسط غزة.
وفي جميع أنحاء غزة، كان للعمليات العسكرية الإسرائيلية على المستشفيات ومحيطها، وما رافقها من أعمال قتالية واشتباكات في جميع أنحاء قطاع غزة، أثر رهيب، وتحديدًا في وقت يتزايد فيه الطلب على الرعاية الصحية بسبب الصراع الدائر.
وقد أتت آثارها مدمرة بالنسبة إلى بعض المدنيين الفلسطينيين. وأفادت التقارير بوفاة ستة أطفال رضّع نتيجة انخفاض حرارة الجسم في الأيام القليلة الماضية وحدها.
كما أنّ النساء، لا سيّما الحوامل، عانين معاناة مروّعة. وأنجب العديد منهنّ من دون أي سند يُذكر، ما زاد من المخاطر التي تهدّد حياة الأم والطفل على حد سواء. وقد أُبلغت مفوضيّتنا بأنّ أطفالاً حديثي الولادة قد لاقوا حتفهم كنتيجة مباشرة لهذا النقص في الرعاية.
ووفقًا لوزارة الصحة في دولة فلسطين، تخطّى عدد الجرحى الفلسطينيين الـ100,000 جريح. وقد توفي العديد من هؤلاء الجرحى أثناء انتظارهم العلاج، بسبب عدم توفر الرعاية الصحية.
ويجري كلّ ذلك في ظلّ العقبات المتزايدة التي تعيق إدخال الأمم المتحدة والوكالات الإنسانية الأخرى المساعدات، بما في ذلك الإمدادات الطبية العاجلة إلى غزة وتوزيعها في جميع أنحاء القطاع.
سيدي الرئيس،
وفقًا لوزارة الصحّة الفلسطينية، قُتل أكثر من 1,050 من العاملين في المجال الطبي في غزة.
وتجدر الإشارة إلى أنّ العاملين في المجال الطبي هم من المدنيين الذين يؤدون وظيفة بالغة الأهمية، لا سيما في وقت الحرب. وهم يتمتّعون بحماية خاصة بموجب القانون الدولي.
ويوثّق التقرير الذي صدر مؤخّرًا عن مفوضيتنا ما لا يقل عن 136 غارة جوية على ما لا يقل عن 27 مستشفى و12 منشأة طبية أخرى في غزة. وقد تسببت في وقوع الكثير من الوفيات والإصابات البالغة بين الأطباء والممرضين والطواقم الطبية وغيرهم من المدنيين الآخرين، وألحقت أضرارًا جسيمة بالعديد من المباني المستهدفة أو دمّرتها بالكامل.
وفي الظروف الاستثنائية التي يفقد فيها العاملون في المجال الطبي وسيارات الإسعاف والمستشفيات، الحماية الخاصة فيُعتبَرون أهدافًا عسكرية، فإن أي اعتداء يجب أن يتوافق مع المبادئ الأساسية للتمييز والتناسب والاحتياطات في الهجوم.
ويجب أن تميّز العمليات العسكرية دائمًا بين الأهداف العسكرية والمدنيين. ومن الصعب التوفيق بين استخدام الأسلحة الثقيلة ضد المستشفيات وهذا المبدأ.
ويشكل عدم احترام هذه المبادئ انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني.
كما أنّ تعمّد توجيه هجمات ضد المستشفيات والمرافق التي يُعالج فيها المرضى والجرحى، شرط ألا تكون أهدافًا عسكرية، يشكّل أيضًا جريمة حرب.
وفي ظل ظروف معينة، قد يرقى التدمير المتعمّد لمرافق الرعاية الصحية إلى شكل من أشكال العقاب الجماعي، ما قد يشكل بدوره جريمة حرب.
وقد يرقى أيضًا العديد من هذه الأفعال، إذا ما ارتُكب ضمن إطار هجوم واسع النطاق أو مُمَنهج موجّه ضد السكان المدنيين، إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية.
وتزعم إسرائيل، في معظم الحالات، أن الجماعات الفلسطينية المسلحة كانت تسيء استخدام المستشفيات. وفي الواقع، تلقيتُ للتو رسالة من السفير الإسرائيلي يؤكد فيها أن حماس عسكرت مستشفى كمال عدوان، وأن القوات الإسرائيلية اتّخذت تدابير استثنائية لحماية حياة المدنيين في الوقت الذي تتصرف فيه بناء على معلومات استخباراتية موثوقة.
إلاّ أنّ إسرائيل لم تقدّم معلومات كافية لإثبات العديد من هذه الادعاءات، التي غالبًا ما تبقى غامضة وفضفاضة. وفي بعض الحالات، يبدو أنها تتناقض مع المعلومات المتاحة للجمهور.
وإذا ما تم التحقق من هذه الادعاءات، فإن ذلك سيثير مخاوف جدية من أن الجماعات الفلسطينية المسلحة تستغل وجود المدنيين لحماية نفسها عمدًا من الاعتداءات، ما يرقى إلى مستوى جريمة حرب.
لهذا السبب أدعو إلى إجراء تحقيقات مستقلة وشاملة وشفافة في جميع الاعتداءات الإسرائيلية على المستشفيات والبنية التحتية الخاصة بالرعاية الصحية والطواقم الطبية، وكذلك مزاعم إساءة استخدام هذه المرافق.
سيدي الرئيس،
أحذر من جديد بأشد العبارات من خطر ارتكاب جرائم وحشية في الأرض الفلسطينية المحتلة.
وأحثّ جميع من يتمتّع بنفوذ في هذا الصدد، على اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المدنيين كمسألة ذات أولوية مطلقة.
ومن الضروري أيضًا تحقيق المساءلة الكاملة عن جميع انتهاكات القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
ومن الضروري أن تبذل جميع الأطراف كل ما في وسعها لوقف القتال في غزة حتى يتسنى وقف إطلاق النار على المدى الطويل.
ويجب إطلاق سراح جميع الرهائن فورًا ومن دون أي قيد أو شرط.
ومن الضروري إطلاق سراح جميع المعتقلين تعسفًا على الفور.
أدعو إسرائيل، بصفتها السلطة القائمة بالاحتلال، إلى ضمان وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة، بما في ذلك الرعاية الصحية الملائمة، إلى السكان الفلسطينيين.
وأحثّ إسرائيل على إنهاء وجودها المستمر في الأرض الفلسطينية المحتلة بأسرع وقت ممكن، وبما يتماشى مع قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، والرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية، والقانون الدولي الأوسع نطاقًا.
كما أدعو إلى منح الأولوية إلى جهود الإنعاش وإعادة الإعمار في المستقبل، بهدف استعادة نظام الرعاية الصحية في غزة.
وشكرًا.