بعد 14 عامًا من الحرب، يسعى السوريون إلى صون الكرامة وتحقيق العدالة
02 تشرين الأول/أكتوبر 2026
امرأة في حي القابون المدمّر بدمشق، حيث تعكس ندوب الحرب الأليمة الثمن الباهظ الذي دفعه السوريون خلال 14 عامًا من النزاع. © صورة عبد الرحمن العلي/ الأناضول رويترز
بعد أكثر من 14 عامًا من النزاع في سوريا، نزح أكثر من 13 مليون شخص عن ديارهم، وقُتل مئات الآلاف. ولا يزال الوضع هشًّا، لكنّ البلاد بدأت تستعيد عافيتها وتعيد البناء تدريجيًا.
ولسنوات طويلة، بقي الصمت هو الخيار الوحيد. أما اليوم، فيجد الكثير من السوريين مساحات جديدة للحديث عمّا عانوه، وعمّن فقدوهم، بمن فيهم الأشخاص المفقودون، وعن العدالة التي ينشدونها.
"أرى أخي في كل معتقل"
اختفى شقيق سماح المارديني في العام 2013. وتدّعي أنّ جهاز المخابرات الجوية اعتقله حين كان في ساحة باب توما. لم تعرف مصيره حتى اليوم. وعلى غرار عشرات الآلاف من الأسر السورية، أمضت أكثر من عقد تنتظر إجابات، وهي توظّف اليوم تجربة الانتظار هذه في الدفاع عن آخرين لا يزالون يعيشون حالة عدم اليقين نفسها.
وأصبحت المارديني منذ ذلك الحين ناشطة تدافع عن حقوق المختفين والمعتقلين.
وقد أخبرت قائلة: "أتحدث عن المعتقلين المفرج عنهم لأنني أرى أخي في كل معتقل، لذلك أساند قضيتهم. يحتاج الكثير من المعتقلين إلى علاج أسنان، ويعانون أمراضًا مثل السل واضطرابات الأعصاب، ولا يستطيعون الحصول على العلاج. ونناشد وزارة الصحة إيجاد سبل لتوفير الرعاية والعلاج لهم."
وبالنسبة إلى المارديني، لا تنتهي العدالة بالإفراج عن المعتقلين، بل تمتد إلى إعادة إدماجهم.
وقد شرحت قائلة: "يجب إدماج المعتقلين المفرج عنهم في المجتمع. يتقدم الكثير منهم إلى وظائف، لكنهم لا يُقبلون فيها. يجب إدماجهم في المجتمع. وعلينا أن نعمل على تحقيق ذلك."
"كان الكلام ممنوعًا"
في ظل النظام السابق، لم يكن الصمت خيارًا - بل وسيلة للبقاء على قيد الحياة. ووصفت إحدى النساء، ممن شاركن في حلقة عمل بشأن العدالة الانتقالية نُظّمت بالتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ما تغيّر منذ ذلك الحين.
فقالت: "في أيام النظام، كان الكلام ممنوعًا. كان مجرد الحديث يعرّضكم للاعتقال. وكان التعبير عن الرأي ممنوعًا. أما اليوم، فيتمتع السوريون بحرية التعبير والإبداع وإبداء الرأي في أي موضوع. فالحرية التي شعرنا بها بعد التحرير لم تكن موجودة من قبل. وكنا نحن السوريين نعاني من غيابها."
وبالنسبة إلى كثير من السوريين الذين بقوا في البلاد خلال أحلك سنوات النزاع، حمل التحرير معنى يصعب التعبير عنه بالكلمات.
فقدت نادية علوان، وهي سورية تقيم في دمشق وتتطوع لدى الهيئة الوطنية للمفقودين، تسعة من أفراد أسرتها اختفوا خلال الحرب.
وقد أكّدت قائلة: "لقد عانينا أبشع أنواع الجرائم على يد النظام السابق، وهو من أشد الأنظمة عنفًا وإجرامًا في تاريخ البشرية."
“
الشعور بالحرية لا يُقدّر بثمن، لا سيما بالنسبة إلينا نحن السوريين، لأننا عشنا أشد اللحظات عنفًا - في أيام القصف والنزوح، وحتى حين اعتُقل أفراد أسرنا وأطفالنا.
“
نادية علوان، سوريا
وتابعت قائلة: "ما مِن كلمات تصف الشعور بالحرية، لأننا تخلّصنا من نظام بلغ أقصى درجات الإجرام."
وترى هوما خان، كبيرة موظفي مفوضيّة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان، بلدًا في سوريا يواجه الانتهاكات التي ارتُكبت قبل الحرب وخلالها، فيما يسعى إلى بناء مؤسسات تقوم على المساواة وحقوق الجميع.
وأوضحت قائلة: "نرى أيضًا، مع استقرار البلاد تدريجيًا بعد تغيّر الحكومة في العام 2024، أن قضايا الماضي تعود إلى الواجهة - بعضها من خلال المحاكمات التي بدأت، وبعضها الآخر من خلال المقابر الجماعية التي يجري نبشها حاليًا، ومع بدء الناس بمعرفة ما حدث."
وتابعت قائلة: "لذا، يعود القلق بشأن ما حدث آنذاك. وهذا كله جزء من العدالة الانتقالية - بما تنطوي عليه من تحديات، إذ ستُفتح الجراح من جديد، ثم تلتئم تدريجيًا، لأنها لا تلتئم لمجرد تغيّر هياكل الحكم."
أنشأت سوريا هيئتين وطنيتين جديدتين، إحداهما معنية بالعدالة الانتقالية وأخرى بالمفقودين، إلى جانب إطلاقها تحقيقات وطنية في عمليات القتل الجماعي التي وقعت في مناطق الساحل ووسط البلاد وجنوبها. وستعتمد مصداقية هاتين الهيئتين وأثرهما أيضًا على كيفية عملهما على أرض الواقع، بما في ذلك مدى شفافيتهما واستجابتهما للضحايا والمجتمعات المتضررة.
وأكّدت خان قائلة: "أعتقد أن الشروع في مسار العدالة الانتقالية وإنشاء مؤسسة وطنية في مرحلة مبكرة شكّلا خطوة جيدة في الاتّجاه الصحيح."
بلورة نهج سوري للعدالة الانتقالية
تدعم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان جهود العدالة الانتقالية في سوريا من خلال توفير الخبرات التقنية، وتيسير الحوار، وتبادل الدروس المستفادة من التجارب الدولية والمقارنة - في موازاة التشديد على ضرورة أن يقود السوريون هذه العملية، وأن تنطلق من سياق البلاد واحتياجاتها.
وقال أحد موظفي المفوضية العاملين على العدالة الانتقالية في سوريا: ما مِن مجموعة أدوات جاهزة، وما مِن نماذج جاهزة."
وأوضح أنّه على كل بلد أن يبلور نهجه الخاص، فيما يمكن لهذه العملية أن تسترشد بالقانون الدولي والتجارب المستمدة من سياقات أخرى. فالهدف ليس نقل حلول جاهزة، بل تقديم الإرشاد ومساعدة السوريين على النظر في النُهج الأنسب لسياق البلاد.
وشدّدت خان على المبدأ نفسه، وهو تولّي السوريين زمام العملية، مشيرة إلى أن دور المفوضية يتمثل في دعم المؤسسات والاسترشاد بأصوات الضحايا والناجين والأسر والمجتمع المدني والمجتمعات المتضررة وتجاربهم. وقالت إن المفوضية تستبشر بالالتزامات الرامية إلى إدماج حقوق الإنسان وضمان حقوق جميع المواطنين السوريين.
وقد بدأ هذا الدعم يتخذ أشكالًا عملية. فقد تعاونت المفوضية مؤخرًا مع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا من أجل تنظيم حلقة عمل بشأن ضمانات عدم التكرار، جمعت أعضاء الهيئة وممثلين عن الوزارات المعنية والمجتمع المدني وعددًا من الخبراء، بهدف استكشاف سبل منع تكرار الانتهاكات.
وأتاحت حلقة العمل أيضًا مساحة لمناقشة الإصلاح المؤسسي واحتياجات أسر المفقودين والمعتقلين المفرج عنهم. وتحدث أحد المشاركين عن الجهود المبذولة من أجل ضمان اضطلاع أسر من لا يزالون في عداد المفقودين بدور فعلي في تشكيل المؤسسات والعمليات المتصلة بالمساءلة والشفافية وحماية الشهود وجبر الضرر.
وقد تكون عواقب الاختفاء مدمّرة بالنسبة إلى الأسر التي فقدت معيلها. ولا تقتصر مشاركتها في عمليات العدالة الانتقالية على البحث عن إجابات بشأن أحبائها، بل تشمل أيضًا ضمان مراعاة كرامتها وحقوقها واحتياجاتها في المؤسسات الجاري بناؤها.
وترى خان أن ذلك يجسّد الدور العملي الذي يمكن أن تضطلع به المفوضية السامية من خلال توفير الخبرات والموارد، وإتاحة مساحات للحوار، ومساعدة المؤسسات السورية والجهات المعنية على معالجة المسائل الصعبة معًا.
وأوضحت أن المفوضية تستطيع توفير القدرات التقنية، وأمثلة من تجارب بلدان أخرى، وإتاحة الاستعانة بالخبراء، لكن دورها يتمثل في نهاية المطاف في التيسير. فمن خلال جمع مختلف الأطراف ودعمها في استكشاف الحلول الممكنة، تساعد المفوضية على تهيئة الظروف لعملية عدالة انتقالية تسترشد بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان ويحدّد ملامحها السوريون أنفسهم.
القضاة والمحاكم وطريق طويل ينتظر السوريين
اتخذت سوريا خطوات مؤسسية أولية نحو المساءلة، من بينها إنشاء محكمة الجنايات الرابعة، التي تنظر حاليًا في قضايا تشمل ضباط أمن سابقين.
ووصفت علوان إنشاء محكمة الجنايات الرابعة بأنه خطوة أولى بارزة في مسار العدالة الانتقالية في سوريا، مشيرة إلى أنها تنظر حاليًا في قضايا تشمل ضباط أمن سابقين، من بينهم عاطف نجيب.
ويتزايد التفاؤل بشأن دور المحاكم في النهوض بالعدالة الانتقالية، لا سيما في القضايا المتعلقة بالأطفال المفقودين. ويُنظر إلى تعيين قضاة ذوي خبرة في هذه القضايا على أنه خطوة مهمة، ومن المتوقع إحالة القضية قريبًا إلى محكمة الجنايات الرابعة.
وسيكون احترام الإجراءات القضائية لضمانات المحاكمة العادلة واستقلال القضاء والمعايير الدولية لحقوق الإنسان أمرًا أساسيًا لبناء الثقة في مسار العدالة.
وبالنسبة إلى الأسر التي تبحث عن إجابات بشأن أطفالها المفقودين، تمثّل المحكمة بارقة أمل في إعمال المساءلة وإحراز تقدم على الطريق الأوسع نحو العدالة الانتقالية في سوريا.
وقالت علوان: "إنه ملف بالغ الصعوبة، يتطلّب الكثير من الجهد والصبر من السوريين، لأن العمل سيكون على قدم وساق خلال السنوات المقبلة من أجل اتخاذ خطوات عملية. وهناك أمل كبير وفرصة عظيمة لمحاسبة المسؤولين وتحقيق العدالة للسوريين من جميع الفئات والطوائف."
أنقاض لن تُنسى
خارج قاعات المحاكم، تشمل العدالة أيضًا الحق في العودة إلى البيوت والشوارع والأحياء التي تحوّلت إلى ركام.
وخلال جولة بين أنقاض الحجر الأسود، جنوب دمشق، وصف أحد السكان مجتمعًا مزّقه شهران من القصف المتواصل، وحنينًا إلى الديار لم تُضعفه سنوات النزوح.
فقال: "نحن السوريين، تحكمنا بطبيعتنا العواطف والمشاعر. فالناس مرتبطون بالمكان الذي عاشوا فيه طفولتهم. ومن الصعب أن ننسى، ونحن واثقون أننا سنعود إلى الوطن، إلى المكان حيث عيشنا طفولتنا وشبابنا. لكن الظروف الحالية صعبة للغاية، وكذلك الوضع في المنطقة."
وتنتظر الحجر الأسود في ريف دمشق، شأنها شأن أحياء كثيرة أخرى، إعادة إعمارها، بعدما دمّر القصف معظم بنيتها التحتية. وحجم الاحتياجات كبير، إذ تحتاج المجتمعات المحلية إلى مزيد من الدعم من الدول المانحة والمنظمات الدولية.
وثمة آمال أيضًا في أن تضطلع الأمم المتحدة بدور قوي وفعّال في دعم التعافي ومعالجة الظروف الصعبة التي يواجهها سكان المنطقة.
وأقرت خان بحجم التحدي.
فقالت: "المنازل مدمّرة، ومن الواضح أن الحكومة تحتاج إلى موارد لإعادة الإعمار، وكذلك إلى البتّ في مسائل الملكية، وهو تحدٍّ بالغ التعقيد في سوريا بالنظر إلى تاريخ هذه المسائل."
واعترفت الحكومة الحالية بالانقسامات العميقة التي خلفها النزاع ودعت إلى تعزيز الوحدة والعدالة. ويرى تركي عبد الحميد، العضو في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، قسم التقييم وضمان عدم التكرار، أن إعادة بناء مجتمع أكثر تماسكًا تبدأ بمساعدة الناس، لا سيما الشباب، على فهم أن حقوق الإنسان مكفولة للجميع على قدم المساواة.
فقال: "إذا استطعنا ترسيخ عالمية حقوق الإنسان فعليًا، بحيث تكون حقوقي في سوريا هي نفسها حقوقي في كشمير أو إيطاليا، أو حقوق أي أجنبي، فإننا نبدأ ببناء ثقافة مشتركة تقوم على الكرامة والمساواة."
وبالنسبة إليه، ينبغي أن يبدأ ترسيخ هذا الفهم مبكرًا، في المدرسة.
وأضاف قائلًا: "إذا استطعنا غرس هذه القيم لدى الأطفال منذ المرحلة الابتدائية، فسينشؤون وهم يدركون أن حقوق الإنسان مكفولة للجميع، في كل مكان."
بائع عصير سوري بالزي التقليدي يقدّم شرابًا إلى صبي صغير في سوق الحميدية، وهو سوق تاريخي عند مدخل المدينة القديمة في العاصمة السورية دمشق. © جون ريفورد/ SOPA/ رويترز
عدالة تتجاوز إعادة الإعمار
رغم تفشّي الفقر وحجم الدمار الهائل، يطالب السوريون بما يتجاوز إعادة بناء المنازل والبنية التحتية. فهم يلتمسون العدالة - والمساءلة الفعلية عن الانتهاكات والتجاوزات التي تركت بصمتها على حياتهم.
وبالنسبة إلى أسر المختفين، يكتسي البحث عن العدالة طابعًا شخصيًا عميقًا. فقد وصفت المارديني، التي لا يزال شقيقها مفقودًا منذ أكثر من عقد، المشاعر التي انتابتها وهي تشاهد ضابط أمن سابقًا يُحاكم. وأشعرتها رؤية شخص ارتبط سابقًا بالقمع يمثل أمام القضاء بشيء من الإنصاف، لكنها لم تمحُ الألم أو تبدّد الغموض المحيط باختفاء شقيقها.
وتعكس تجربتها مطلبًا أوسع نطاقًا لدى الضحايا والأسر، وهو أن تتجاوز العدالة الانتقالية المحاكمات التي تحظى باهتمام واسع، وأن تفضي إلى مساءلة حقيقية. فبالنسبة إلى الأسر التي أمضت سنوات تبحث عن أقاربها المفقودين، تعني العدالة معرفة ما حدث لأحبائها، وتحديد المسؤولين، وضمان أن تترتب على المساءلة عواقب فعلية.
خلّفت أربعة عشر عامًا من النزاع جراحًا عميقة في سوريا. والتحديات هائلة - بدءًا من انتشار الأسلحة والجفاف واستمرار النزوح، وصولًا إلى الصعوبات الاقتصادية والعمل المعقّد والمضني من أجل إعمال المساءلة من خلال التحقيقات الوطنية والدولية.
ومع ذلك، تلوح بوادر تقدّم وسط هذه التحديات. فقد بدأت المؤسسات بمعالجة قضايا ظلّت سابقًا من دون حل، وتطالب الأسر بأن يكون لها صوت في عمليات العدالة الانتقالية، ويواصل الناجون المطالبة بالحقيقة والمساءلة وجبر الضرر.
وقالت هاجر بويحيى، الموظفة المعنية بحقوق الإنسان المتخصصة في العدالة الانتقالية لدى مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان: "بإمكان العدالة الانتقالية أن تساهم في ترجمة الحقيقة بشأن تجاوزات الماضي إلى تغييرات يلمسها الناس في حياتهم اليومية، في كيفية تعامل الشرطة معهم، والاستماع إليهم أمام المحاكم، وتقديم المؤسسات العامة الخدمات لهم."
وأضافت قائلة: "يعني ذلك الربط بين الاعتراف بما عاناه الضحايا وجبر الضرر الذي لحق بهم، وبين تغيير القواعد والممارسات والسلوكيات التي أتاحت القمع."
وتابعت بويحيى: "بإمكان هذه التغييرات أن تساهم في إعادة بناء الثقة بين الناس، وبينهم وبين المؤسسات المسؤولة عن حمايتهم. ولا بد من كسب هذه الثقة عمليًا من خلال حماية حقوق الجميع ومحاسبة المسؤولين، من دون إعادة إنتاج الإقصاء والتمييز."
طريق طويل وخطوات إلى الأمام
لن يكون طريق سوريا نحو التعافي سريعًا أو سهلًا. فإعادة الإعمار ليست سوى جزء من هذا المسار. وبالنسبة إلى كثير من السوريين، سيتوقف السلام الدائم أيضًا على مواجهة الماضي، وكشف الحقيقة، وضمان أن يكون الضحايا وأسرهم في صميم الجهود الرامية إلى بناء مستقبل أكثر عدلًا.
وقد بدأ هذا العمل في مختلف أنحاء البلاد - والمفوضية السامية تدعم السوريين وهم يرسمون ملامح عملية تنطلق من تجربتهم الخاصة وتستند إلى المعايير الدولية لحقوق الإنسان.