البيانات والخطابات آليات متعدٓدة
المفوض السامي: نحن بحاجة إلى تجديد روح هلسنكي خدمةً للسلم والأمن في جميع أنحاء العالم
ملاحظات مرفوعة إلى مؤتمر هلسنكي+50: احترام الإرث والاستعداد للمستقبل
31 تموز/يوليو 2025
أدلى/ت به
المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك
في
هلسنكي, فنلندا
أصحاب السعادة، أصحاب المعالي، حضرة المندوبين الكرام، أصدقائي الأعزّاء،
إنه لمِن دواعي سروري أن أقف اليوم في مدينة هلسنكي الجميلة والدافئة، للاحتفال بهذه الذكرى المهمّة للغاية. وأنا متأثر بشكل خاص لوجودي في القاعة نفسها، حيث تم توقيع وثيقة هلسنكي النهائية قبل خمسين عامًا.
واليوم، وفي خضم الصراعات والأزمات، وفيما يبدو العالم أكثر انقسامًا من أي وقت مضى، أود أن أشيد بقادة ذاك العصر، من الشرق والغرب على حدّ سواء، الذين اجتمعوا لتوقيع وثيقة هلسنكي النهائية، هنا بالذات في العام 1975.
تحتل هلسنكي مكانة خاصة في قلبي. فقد قضيت طفولتي في فيينا ولينز، بالنمسا، في ظلال الستار الحديدي. وكانت الحدود بين النمسا وتشيكوسلوفاكيا تقع في ذلك الوقت على بعد 30 كيلومترًا فقط من منزلي.
يصعب على الشباب الأوروبي أن يتخيل الهواجس التي طاردتني وأنا طفل، بسبب الأسلاك الشائكة، وأبراج المراقبة، والحراس، والبنادق.
وأدركتُ حينها أنّ أشخاصًا قُتلوا أثناء محاولتهم عبور الحدود. ومع تقدمي في السن، أيقنتُ أنّ هذه الأرض المحرمة المخيفة تجسّد تهديدًا أكبر بكثير. ولطالما استيقظت في منتصف الليل، قلقًا من احتمال اندلاع حرب نووية.
وعندما سمعت أغنية "Russians" (الروس) لستينغ، التي تدعو إلى التعقل "على جانبي السياج السياسي"، تخيلت تلك الحدود بالذات. وأخيرًا، تحدّث أحدهم عن المشاعر الإنسانية البسيطة التي تتجاوز الاختلافات الأيديولوجية.
وفي العام 1985، عندما سجّل ستينغ أغنيته هذه، كان عمر عملية هلسنكي عشر سنوات، وتأثيرها في تزايد مستمرّ.
لقد شجَّعَت روح هلسنكي على الانفتاح والتعاون. وبدأت الدول في إطلاع بعضها البعض على تحركات القوات والمناورات العسكرية.
لكن أهم مبدأ لها – الذي ميّزها عن المعاهدات الأخرى – هو أن وثيقة هلسنكي النهائية اعترفت بمفهوم شامل للأمن، بما في ذلك البعد الإنساني الذي يتجاوز بأشواط مجرد غياب الحرب.
رسّخت روح هلسنكي حقوق الإنسان – المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية – في صميم السلم والأمن. ووفرت طريقًا للخروج من الانقسامات الأيديولوجية نحو مزيد من الحريات – حرية الفكر والتعبير والتجمع السلمي والتنقل، والحق في مغادرة بلد الأصل والعودة إليه.
ومنحَت الأمل إلى المدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضين في جميع أنحاء أوروبا.
وركّزَت على سبل تحقيق الوحدة والتضامن بدلاً من الانقسام.
وأدّت عملية هلسنكي دورًا بارزًا خلال نهاية الحرب الباردة. وتحوّلت إلى منبر للحوار، قائم على الاحترام المتبادل وقنوات اتصال واضحة. ومع تحول مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا إلى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا في العام 1990، شكّلت قضية النهوض بحقوق الإنسان الخيط الذهبي الذي جمع الدول المشاركة فيها.
فمنذ العام 1990، أدّت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا دورًا بارزًا في تعزيز الاستقرار في القارة، من خلال عملها في غرب البلقان، وترانسدنيستريا، والقوقاز.
لقد ساهمتم في تعزيز الديمقراطية، والنهوض بالتعاون، وتعزيز الأمن الشامل من خلال تشجيع الحوار بين البرلمانات، على سبيل المثال لا الحصر. وقد ساعد دوركم في مجال مراقبة الانتخابات، في جعلها أكثر عدلاً وموثوقية. كما تؤدّي عملياتكم الميدانية ومؤسساتكم - من مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان، والمفوض السامي للأقليات القومية، وممثل حرية الإعلام - دورًا حيويًا في النظم الداعمة لحقوق الإنسان، في هذه المنطقة الشاسعة الممتدة بين فانكوفر وفلاديفوستوك.
أمّا اليوم، وبعد مرور خمسين عامًا على توقيع إعلان هلسنكي النهائي، تعمل قوى جبّارة على تقويض التعددية، وانتهاك القانون الدولي، ومهاجمة المؤسسات والأطر العالمية التي تم إنشاؤها بشقّ الأنفس على مدى عقود خدمةً لصالح الجميع.
وتشكّل هذه الذكرى السنوية فرصة حقيقية لتجديد روح هلسنكي والعمل من أجل الحوار والتضامن كأساس للسلم والأمن في أوروبا وحول العالم.
ويدعونا موضوع اليوم وعنوانه احترام الإرث، والاستعداد للمستقبل، لا للاحتفال بالإنجازات الدائمة لوثيقة هلسنكي النهائية فحسب، بل لتطبيق دروسها على تحديات اليوم والغد.
إنّ المفوضية السامية لحقوق الإنسان ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا مرتبطتان بشراكة وثيقة، تُتَرجَم اجتماعات ومشاورات منتظمة.
كما نتشارك قلقًا عميقًا بشأن قضايا مختلفة، انطلاقًا من منع النزاعات وصولًا إلى حرية الإعلام، مرورًا بالمساواة بين الجنسين، والاتجار بالأشخاص، وحرية التعبير، وأثر أزمة المناخ على حقوق الإنسان، وحماية حقوق الأقليات.
وتُعتَبَر حقوق الإنسان، المترسّخة في صميم عملية هلسنكي، خارطة طريق وبوصلة لإعادة بناء الثقة وتوجيهنا نحو الحلول المستدامة.
وحقوق الإنسان هي عامل من عوامل استقرار والقدرة على الصمود – وأرحب بتركيز فنلندا على القدرة على الصمود خلال رئاستها منظمة الأمن والتعاون في أوروبا.
وفي أوقاتنا المضطربة، وفي ظلّ هذه المستويات العالية من عدم اليقين والتقلب، تبقى حقوق الإنسان صوت العقل والتعاطف. إنها توازن التعصب الأجوف لدى بعض قادة اليوم، وتحد من إساءة استخدام السلطة.
كما تمنحنا الثقة بالنفس لمواجهة التحيز وتصحيح الأخطاء التاريخية.
وهي أداة لإحداث تغيير منهجي ومستدام، يعود بالنفع على الجميع.
أرى أنّه يجب أن نركّز معًا على ثلاثة مجالات في السنوات المقبلة.
أولاً، يساهم احترام حقوق الإنسان في منع النزاعات والتخفيف من أثرها على المدنيين.
فغالبًا ما تكون الأسباب الجذرية الكامنة وراء النزاعات مترسّخة في عدم المساواة وانتهاكات حقوق الإنسان، ويغذيها تجريد الآخرين من إنسانيّتهم والتمييز وتقلُّص الحيّز المدني واستهداف الأقليات. ونشهد هذه الديناميكيات اليوم في غزة وفي السودان وفي أماكن أخرى حول العالم.
نحن بحاجة إلى بذل المزيد من الجهود على الصعيدين الوطني والعالمي، بغية الاستجابة للإنذارات المبكرة، وبناء السلام من خلال الاستثمار في الحوار وتدابير بناء الثقة.
كما أن حقوق الإنسان تدلّ على الطريق للخروج من النزاعات – من خلال الإصرار على المساءلة، وترسيخ الناس في صميم الوساطة وبناء السلام.
وتسعى المفوضيّة السامية لحقوق الإنسان جاهدةً، من أجل تحقيق العدالة في جميع أنحاء العالم. إذ يدقّ عملنا ناقوس الخطر، ويساهم في منع الانتهاكات والتجاوزات، ويوثقها عند وقوعها. اسمحوا لي أن أعطي مثلَيْن في هذا الصدد.
في أوكرانيا، قمنا بتفصيل التكلفة المروعة للغزو الروسي الشامل، الذي تصاعد هذا العام مع ارتفاع خطير في عدد الضحايا المدنيين - تمامًا كما أخبرنا الرئيس لتوه. وقد تحقّقت المفوضية السامية من أنماط متكررة من التعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية، تعرّض لها المعتقلون الأوكرانيون في السجون الروسية. كما نواصل الإبلاغ عن فرض روسيا غير القانوني لنظام حكمها في الأرض التي تحتلها، وعن مناخ الخوف الذي خلقته الانتهاكات الواسعة النطاق لحقوق الإنسان هناك.
وأود أن أشير أيضًا إلى الأوضاع في الأرض الفلسطينية المحتلة، حيث ركّزت تقاريرنا، عقب الهجمات المروعة التي شنتها حماس وجماعات مسلحة فلسطينية أخرى في 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر، على الأعداد الهائلة من القتلى المدنيين الذين سقطوا جرّاء قصف إسرائيل لغزة؛ والتشريد القسري المتكرر؛ والقيود غير القانونية المفروضة على دخول المساعدات الإنسانية وتوزيعها؛ وقتل الأشخاص الذين يبحثون عن طعام؛ والهجمات والمضايقات التي يتعرض لها الفلسطينيون على يدّ المستوطنين الإسرائيليين وقوات الأمن في الضفة الغربية المحتلة. من الواضح جليًا أنّه يجب إنهاء هذه الحرب فورًا، كما يجب إطلاق سراح الرهائن كافة، وعلى إسرائيل إنهاء وجودها غير القانوني - ويجب تحقيق المساءلة عن جميع انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
نحن موجودون في الميدان في سياق الصراعات والأزمات، بما في ذلك في السودان وميانمار وهايتي وغيرها من الأماكن الأخرى، بالإضافة إلى الحالتَيْن اللتَيَن ذكرتهما.
ويسلّط هذا العمل الدقيق والمفصل الضوء على الانتهاكات والمخالفات التي، لولا عملنا الحثيث هذا، لظلّت مخفية.
ثانيًا، توفّر حقوق الإنسان منظورًا لمعالجة أزمة المناخ وحماية الناس من آثارها. فعندما نتطلع إلى المستقبل، ندرك أنّ أزمة المناخ ستكون من بين أكبر العوامل المضاعِفَة للمخاطر الأمنية، لا سيّما في ما يتعلق بالتنافس على المياه والموارد الأخرى.
إن استخراج الوقود الأحفوري وحرقه يحبس البشرية في فرن ملتهب. والبلدان والشعوب التي ساهمت بأقل قدر في الاحترار العالمي هي التي تعاني من أسوأ آثاره.
تدعو حقوق الإنسان إلى تحقيق العدالة. وعلى المسؤولين عن أزمة المناخ أن يدفعوا الثمن. نحن بحاجة إلى مصادر جديدة ومبتكرة لتمويل العمل المناخي، وإصلاح الهيكل المالي العالمي بكلّ جدية، كي تتمكن جميع البلدان من الحصول على التمويل الذي تحتاج إليه في هذا الصدد.
ويؤكّد الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية الأسبوع الماضي، بشأن التزامات الدول في ما يتعلق بتغير المناخ، ما جادل به الكثيرون من بيننا في أكثر من مناسبة، ومفاده أنّ التزامًا واضحًا يقع على عاتق الحكومات بموجب القانون الدولي في مجال حقوق الإنسان، يتمثّل في معالجة أزمة المناخ.
ثالثًا، إنّ احترام حقوق الإنسان هو أفضل ضمانة لإحراز التقدم في المجتمعات كافة. إذ لا يمكن الإبداع والابتكار في غياب حرية التعبير، والحقّ في المعارضة، والحق في الاحتجاج السلمي، والحريات الأكاديمية، واحترام العلوم.
لكنّ عدد الحكومات التي تقمع هذه الحريات يتصاعد في المناطق كافة. ومن المخيف أن نرى أدوات القمع تعود بقوة، في أماكن لم نكن نتوقع أن نراها فيها أبدًا.
ويتعرّض النشطاء في مجال حقوق الإنسان، والمحامون والصحفيون ومنظمات المجتمع المدني للتهديد والمضايقة والتضليل. كما تستخدم بعض الحكومات التكنولوجيات الجديدة للمبالغة في ممارساتها وتخطّي الحدود وترهيب خصومها ومنتقديها واختطافهم وقتلهم حتّى.
وفي الوقت نفسه، تعمل منصات التواصل الاجتماعي التي تفتقر إلى التنظيم، على إسكات بعض الأشخاص والمجتمعات. وتعاني النساء والفتيات وذوو الإعاقة والأقليات من جميع الأنواع من مضايقات وإساءات غير متناسبة على الإنترنت.
نحن بحاجة إلى مساحة عامة مفتوحة للنقاش، مدعومة بوسائل إعلام حرة ومستقلة – وأرحب في هذا الصدد بقرار فنلندا بمنح الأولوية إلى المساواة بين الجنسين، والإدماج، والمشاركة مع المجتمع المدني، تمامًا كما ذكر معالي الوزير لتوّه.
يشكّل الاحتفال بمرور خمسين عامًا على اعتماد إعلان هلسنكي، فرصة بارزة لإحياء روحه والنهوض بمبادئ منظمة الأمن والتعاون في أوروبا.
إنّ الحاجة إلى التعاون عبر الحدود من أجل بناء سلم وأمن مستدامين وحماية جميع حقوق الإنسان، ملحّة اليوم أكثر من أي وقت مضى.
وكي يمضي العالم بأسره قدمًا نحو سلام، يجب أن نستفيد من دروس الماضي، مع ترسيخ هلسنكي في صميمها.
وشكرًا.