حالات الاختفاء في سياق الهجرة
09 تموز/يوليو 2025
"تمثّل ظاهرة وفيات المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء واختفائهم، التي يمكن منعها، تحديًا مأساويًا في مجال حقوق الإنسان غالبًا ما يُستخفّ به"، على حدّ ما أكّده مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بحقوق المهاجرين، جهاد ماضي.
وخلال الدورة الـ59 لمجلس حقوق الإنسان المنعقدة في جنيف بسويسرا، قدم ماضي تقريرًا تناول فيه تصاعد هذه الظاهرة المقلق للغاية، وحدّد عوامل نظمية - منها عسكرة الحدود، وغياب مسارات الهجرة القانونية، والإفلات من العقاب - باعتبارها من دوافعها الرئيسية.
ويستند التقرير إلى الملاحظات الواردة في التقارير السابقة الصادرة عن عدد من المكلفين بولاية في إطار الإجراءات الخاصة والهيئات المنشأة بموجب معاهدات التي قيّمت الوضع ونطاقه، بما في ذلك الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري وغير الطوعي، واللجنة المعنية بحالات الاختفاء القسري، وسلسلة من التوصيات المقدمة من الأمين العام.
بالإضافة إلى ذلك، يستمد التقرير المعلومات من المساهمات الخطية التي قدّمتها الدول الأعضاء ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية ووكالات الأمم المتحدة وأسر المختفين والضحايا.
المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان للمهاجرين جهاد ماضي خلال زيارة رسمية إلى كولومبيا، مصغيًا إلى المهاجرين وأسر الضحايا المختفين. © المفوضية السامية لحقوق الإنسان
أسباب هيكلية
أشار ماضي إلى أن تنامي المعلومات المضللة المتعلقة بالهجرة وكره الأجانب أدى إلى سياسات هجرة تقييدية - وفي بعض الحالات غير إنسانية حتّى.
فقال: "إن عسكرة الهجرة وتكليف جهات خارجية بإدارتها وإضفاء الطابع الأمني عليها وتجريمها، يمنع المهاجرين من الوصول إلى بلدان المقصد بطريقة آمنة ونظامية وقانونية، ما يجعل طلبات اللجوء وحماية حقوق الإنسان بعيدة المنال."
وشدّد على أنّ تكليف جهات خارجية بحوكمة الهجرة بشكل متزايد، إلى جانب تشديد الرقابة على الحدود، يتسبب بتفاقم المخاطر التي تؤدي بدورها إلى اختفاء المهاجرين.
ومن المخاوف الأخرى المثيرة للقلق - لا بل من بين العوامل الأساسية الكامنة وراء اختفاء الأشخاص أثناء التنقل - التضاريس الوعرة في الكثير من الأحيان على طول طرق الهجرة النائية.
وقد أوضح ماضي قائلًا: "قد يختفي المهاجرون أيضًا نتيجة إجراءات احتجاز المهاجرين أو إجراءات الترحيل، بما في ذلك من خلال الاتفاقات مع بلدان ثالثة أو رحلات الترحيل التي لا تحترم الضمانات الإجرائية المعمول بها."
وخلص التقرير أيضًا إلى أن عمليات الترحيل، بما في ذلك رحلات الترحيل التي تتم بموجب اتفاقات مع دول ثالثة، تؤدّي إلى تفاقم المخاطر.
وشدّد الخبير على أنّ "الترحيل غير القانوني قد يرقى أيضًا إلى الاختفاء القسري القصير الأجل، نتيجة إخفاء مكان وجود المهاجرين أثناء نقلهم، وتقع مسؤولية ذلك القانونية على عاتق الدول التي تأمر بحرمانهم من الحرية."
وبالإضافة إلى ذلك، يختفي المهاجرون أيضًا بسبب التهريب و/أو الاتجار بهم، وغالبًا ما يكون ذلك على يد جماعات إجرامية، بما في ذلك بإذن من وكلاء الدولة أو دعمهم أو موافقتهم في بعض الحالات.
كما تلعب مستويات شبه عامة من الإفلات من العقاب دورًا في اختفاء المهاجرين - بما في ذلك الاختفاء القسري - إلى جانب عدم توفّر مسارات هجرة كافية ومتاحة وآمنة ومنظمة ومنتظمة.
الحقّ في عدم الاختفاء
أكّد ماضي أنّ "كل شخص يتمتّع بالحق في الحماية من الاختفاء القسري، بغض النظر عن وضعه كمهاجر"، مضيفًا أنّه ما مِن ظروف يمكن أن تبرر حالات الاختفاء القسري مهما كانت مدتها.
وشدّد على أنّ عمليات النقل والترحيل عبر الحدود المتصلة بالهجرة، التي تجري في سياق إجراءات الطرد العادية، يمكن اعتبارها أيضًا حالات اختفاء قسري إذا توافرت جميع أركان الجريمة.
ويُعتبر الاحتجاز السري أيضًا من حالات الاختفاء القسري، سواء حدث أثناء عمليات النقل أو الترحيل أو تورطت فيه جهات فاعلة من غير الدول تعمل بدعم من الدولة أو بإذن منها أو بموافقتها.
وفي القانون الدولي، يحظِّر مبدأ عدم الإعادة القسرية على الدول طرد الأشخاص أو رفض دخولهم أو نقلهم أو ترحيلهم أو تسليمهم أو إعادتهم، في الحالات التي يُحتَمَل أن يتعرّضوا فيها إلى خطر الموت أو التعذيب أو سوء المعاملة أو الإخفاء القسري أو أي أذى جسيم لا يمكن إصلاحه. وتمتد هذه الحماية لتشمل كل إنسان، بغض النظر عن وضعه كمهاجر أو بلده الأصلي.
الأثر على الأسر والمجتمعات المحلية
أفاد ماضي بأنّ "الإفلات من العقاب المتفشي على نطاق واسع يديم دوّامات الاختفاء هذه. وتعاني الأسر من الكرب واليأس بسبب افتقارها للمعلومات عن مكان وجود أحبائها ومصيرهم."
ويشير التقرير إلى أنّ قصور آليات البحث وتحديد الهوية يعمق من حالة عدم اليقين ويحرم أفراد الأسر من الحق في معرفة ظروف اختفاء أحبائها وسير التحقيق ونتائجه.
وأشار ماضي إلى أنّ هذا الكرب والضيق موثقان في جميع حالات المفقودين، لا في حالات الاختفاء القسري فحسب.
فقال: "على الدول أن توفّر مجموعة متزايدة من الموارد لعمليات إنقاذ المهاجرين الذين يواجهون محنة في البحر والبر. وعليها أيضًا أن تصدر تأشيرات لدواعٍ إنسانية مخصّصة لأفراد أسر المهاجرين المختفين لتمكينهم من المشاركة بفعالية في إجراءات البحث والتحقيق."
وتتمثّل مسألة حاسمة أخرى في عدم توفّر بيانات إحصائية دقيقة بشأن المهاجرين المفقودين أو المختفين قسرًا، إذ لا تزال هذه البيانات غير مكتملة وغالبًا ما يُنظر إليها على أنها أقل من الواقع.
“
المهاجرون هم أصحاب حقوق، ويجب احترام حقوقهم وحمايتها بالكامل، بغض النظر عن كيفية عبورهم الحدود الدولية.
“
جهاد ماضي، المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان للمهاجرين
سبل المضي قدمًا
شدّد ماضي على أنّ جميع الدول بحاجة إلى الاعتراف بالكرامة الإنسانية المتأصلة في المهاجرين والوفاء بالتزاماتها تجاههم بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.
ومن بين توصيات التقرير إنشاء آليات لكشف الحقيقة والرصد بهدف ضمان المساءلة وتحقيق العدالة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار في حالات اختفاء المهاجرين.
وخلال العرض، رحب ماضي بالتطورات الواعدة في مجال إنشاء الدول آليات وطنية وإقليمية للبحث عن المهاجرين المختفين ومنع اختفائهم والتحقيق في حالات الاختفاء.
إلاّ أنّه ركّز على ضرورة توسيع نطاق هذه الآليات. فتعزيز التعاون بين دول المنشأ والعبور والمقصد أمر أساسي لحماية المهاجرين ومنع اختفائهم.
وخلص ماضي إلى أن جميع التدابير يجب أن تضمن اتباع نهج يركز على الضحايا.